الثالث: أنه توفي نوم ، وقد ذكرنا الآيات الدالة على أن النوم يطلق عليه الوفاة ، فكل من النوم والموت ، يصدق عليه اسم التوفي ، وهما مشتركان في الاستعمال العرفي.
فهذه الأوجه الثلاثة ذكرناها كلها في الكلام الذي نقلنا من كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب.
وذكرنا الأول منها بانفراده لنبين مذاهب الأصوليين فيه.
وأما قوله تعالى: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} [المائدة: 117] الآية ، فدلالته على أن عيسى مات ، منفية من وجهين:
الأول منهما: أن عيسى يقول ذلك يوم القيامة ، ولا شك أن يموت قبل يوم القيامة ، فإخباره يوم القيامة بموته ، لا يدل على أنه الآن قد مات كما لا يخفى.
والثاني منهما: أن ظاهر الآية أنه توفي رَفْعٌ وقَبْضٌ للروح والجسد ، لا توفي موت.
وإيضاح ذلك أن مقابلته لذلك التوفي بالديمومة فيهم في قوله: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} [المائدة: 117] الآية ، تدل على ذلك لأنه لو كان توفي موت ، لقال ما دمت حياً ، فلما توفيتني لأن الذي يقابل بالموت هو الحياة كما في قوله: {وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة مَا دُمْتُ حَيّاً} [مريم: 31] .
أما التوفي المقابل بالديمومة فيهم فالظاهر أنه توفي انتقال عنهم ، إلى موضع آخر.
وغاية ما في ذلك هو حمل اللفظ على حقيقته اللغوية مع قرينة صارفة عن قصد العرفية ، وهذا لا إشكال فيه.