هذا بيان لضلال لهم آخر ، في جدلهم وخصامهم وتعنتهم . وقد استدل المعتزلة بظاهر الآية في أنه تعالى لا يشاء الشرور والمعاصي . وأهل السنة تأوّلوا الآية بما يلاقي العقد الصحيح . وهو عموم مشيئته تعالى لكل شيء ، الناطق به غير ما آية . ولما كانت هذه الآية وأخواتها من معارك الأنظار قديماً وحديثاً ، آثرت أن أنقل هنا ما لمحققي المفسرين ، جرياً على قاعدتنا في التقاط نفائس ما للمتقدم ، وتحلية مصنفاتنا بها ، فنقول: قال القاشاني: لما سمعوا من الأنبياء تعليق الأشياء بمشيئة الله تعالى ، افترضوه وجعلوه ذريعة في الإنكار . وقالوا ذلك لا عن علم وإيقان ، بل على سبيل العناد والإفحام . ولهذا ردهم الله تعالى بقوله (ما لهم بذلك من علم) إذ لو علموا ذلك لكانوا موحدين ، لا ينسبون التأثير إلا إلى الله . فلا يسعهم إلا عبادته دون غيره . إذ لا يرون حينئذٍ لغيره نفعاً ولا ضراً (إن هم إلا يخرصون) لتكذيبهم أنفسهم في هذا القول بالفعل ، حين عظموهم وخافوهم وخافوهم وخوّفوا أنبياءهم من بطشهم ، كما قال قوم هود (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ) ولما خوفوا إبراهيم عليه السلام كيدهم ، أجاب بقوله (وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا) إلى قوله (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ) انتهى .