يكون حي موجودًا في الأزل بلا أول ، إذ ليس ذلك بممكن في
الخلق ، بل هو محال أن يكون خَلْق قبل يُكَوَّن ، ويخُلَّق.
فلا يجيزون على الله - جل الله - إلا ما يقبله عقولهم ، ويسهل
عندها كونه ، ولا تنبو عنه.
وما الفرق بين من يأخذ شبه عدل الخالق ، من شبه عدل المخلوق ،
وبين من يأخذ ما مثلناه من شبه خلقه ، وكلاهما مُقحِم على ما ليس
له ، وعاد طوره فيما لم يجعل إليه ، ولا خوطب بتعريفه . فلما كان
ممكنًا - عند المؤمنين الموحدين - أن يكون الله أزليًّا بلا أول ، ودائمًا
بلاِ آخر منقطع ، ويكون أوّل كل شيء وآخره ، كما قال: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(3) ،
وإن نَبَتْ عقول المرتابين عنه ، ولم يجدوا شبهه في الخلق ، كان - أيضاً - ممكنًا عندها أن يكون الله - جل جلاله - يجمع على نفس واحدة قضاء بشيء ، وعقوبة عليه ، ويكون عدلاً ، وإن نبت عقول المرتابين عنه ، ولم
يجدوا شبهه في عدل الخلق.
فليت شعري ! لِمَ يسمونا المشبهة ؟! لأن قلنا: إن للَّه سمعًا ،
وبصرًا ، ويدين مبسوطتين ينفق كيف يشاء ، وهم يأبون أن يجيزوا على
اللَّه شيئًا إلا ما وجدوا شبهه في المخلوق ، ولم ينب عنه العقل
المخلوق.
وقوله: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ(45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)
الآية حجة في غير شيء:
فمنه: أن هذا العرض قبل الحشر ، إذ هم بعد الحشر ، إذا دخلوها
دائمين - فيها - معذبين بسرمد العذاب ، (لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا)
فإنما العرض بالغدو ، والعشي على من ليس دائمًا فيها ، وقد أكد ذلك قوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46) ،
فهذا عذاب سوى العرض ، وفي محل غير محل العرض.
ومنه: أن للعذاب درجات في الشدة والخفة ، فقد يجوز أن يكون أشد