سياق الكلام كان الحكم له فيها.
فلما قال: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)
عُلم أنها هداية دعاء وبيان ، إذ محال أن تكون هداية
إجبار وإرادة ، إذ لو كانت كذلك ما استطاعوا أن يغلبوا إرادته ،
ويقهروا إجباره بالعتو عن أمره ، وعقر ناقته ، ولما قال: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)
عُلم أنه هداية إجبار وإرادة اضطرار المهدي إلى ما أريد منه ، إذ محال أن يقول: إنك لا تبين لمن أحببت ، أو لا تدعو من أحببت ، وهو يعلم - جل وتعالى
-أنه قد بين لأبي طالب ودعاه ، ولكنه لا يقدر على حمله عليها ،
واضطراره إليها ، وأن الذي يفعل هذا هو الله - جل وتعالى - فقال:
إنك لا تقدر على أن تنجي أبا طالب بهداية إجبار ، ولكني أفعل أنا هذا
بمن أشاء . ولا يشك أحد أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أراد من
عمه أن يكون كذلك فلم يقدر عليه ، فلو ميز القوم ، وأضربوا عن
اللجاج ، وتبصّروا الأشياء برويَّة وعقل لأبصروا - بعون الله -
طريق الرشد ، وعلموا أن إضافة الأفعال إلى فاعليها ليست بمانعة
من أن يكون مقضيًّا بها عليهم ، ولا القضاء بمؤثر في عدل الله على
بريته ، وأنه غير مستحيل أن يعلم من علم عدله ما يجهله خلقه ، وأن
التصور في عقولهم من لوح الجور - في جمع القضاء والعقاب على
نفس واحدة - كلوح استحالة كينونة الرب فيها بلا أول - ولا بدو.
فهل يجيزون لأنفسهم أن يأخذوا ذلك من شبه خلقه ، كما يأخذون
معرفة عدله من عدل خلقه ، فيزعموا: أنه لمَّا كان محالاً -
في عقولهم - أن يكون مالك من الآدميين إذا أجبر عبده على فعل
شيء ، ثم عاقبه عليه ، كان ظالمًا له ، لم يجز أن ينسب إلى الله أنه
يضطر أحدًا من عبيده إلى فعل بعينه - في القضاء السابق عليه - ثم
يعاقبه على فعله ، وأنه إن فعل كان جائرًا . كان - أيضاً - محالاً أن