قول فرعون ، وفرعون كافر قد قطع كل ريب أنه - لا محالة - في
السماء ، إذ محال أن يقول فرعون إلا بعد أن سمع موسى - عليه
السلام - يدعوه إلى من هو في السماء ، وقد ذكرناه في سورة
القصص أيضاً عند إخباره عن فرعون (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) .
والثانية: ما ذكر من التزيين لفرعون سوء عمله ، فإن كان أراد به
هو الذي زين له كما قال: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ) ، فهو ما يريدون ، وإن أراد أن الشيطان زين له
كقوله: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)
فقد دللنا على أنه تبع للَّه في ذلك ، إذ لا يجوز أن يكون الله - جل جلاله - تبعًا له.
(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ(38)
حجة على المعتزلة والقدرية ، لو تدبروها
وأنصفوا من أنفسهم ، وذلك أن هذه اللفظة - بعينها - قد أخبر بها عن
فرعون قبل هذا بقليل ، وهو (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ(29) ،
ولسنا نشك في أن قوله خلاف قول المؤمن ، إذ قوله غرور وظن ، وقول المؤمن علم وحقيقة ، فنظرنا في هذا العلم والحقيقة ، فإذا هما هداية بيان ، التي ينسبونها إلى الرحمن ، في قوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) ، إذ محال أن يقدر
مؤمن آل فرعون من هداية قومه ، على ما لم يقدر عليه رسول الله ،
صلى الله عليه وسلم ، من هداية قريش وهداية عمه ، حيث يقول اللَّه - تبارك وتعالى -: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ، فعلمنا - بذلك - أن كل هداية منسوبة إلى البشر فهداية
بيان وتبصر ، وما كانت منسوبة إلى الله فهو على وجهين: تجوز أن
تكون دعاءً وبيانًا ، وتجوز أن تكون إرإدة وإجباراً ، فأيهم دل عليه