أشباه وأشكال ، كما كان الشبه بين الحنطة والأرُز ، فإنما في نحو ما
يذهب إليه القوم ، من أنهما قوتان مكيلان حادثان من نبات الأرض ،
فَلَمْ نوجب تحريم التفاضل في نفس الحنطة - التي هي الأصل - حتى
حدث عليها العبادةُ ، فألحق بها تحريم التفاضل ، ولو كانت
الأشباه تحدث بها العبادات لأحدث على الحنطة قبل التعبد ما أحدثه
التعبد.
فزعم القائسون: أن حدوثه في الحنطة أحدث في الأرز - أيضاً -
بما كان فيه من متقدّم شبه الحنطة.
وهم - مع ذلك - يحتجون بـ (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ(2) ،
فهلا قالوا: إن وفاق شبه أشخاص المعتبرِين بالمخرَجين من ديارهم أحدث
عليهم ما أحدث على المخرَجين ، قبل إحداث أعمال يستوجبون بها عقوبة
الجليل ، كما يزعمون: أن التحريم حدث في الأرز بلا تعبد حدث
عليه - بلفظه - كما حدث على الحنطة بلفظها . وأحسبهم - غفر اللَّه لنا ولهم - يقدرون في رادي القياس أنهم ينفون الشبه عن الحنطة
والأرز ، وهم لا ينفون مقدار ما ذهبوا إليه من أنهما مأكولان مكيلان
من نبات الأرض ، وإن نفوا بقية أشباههما.
ولكنهم يقولون: إن شبه الأرز من شبه الحنطة محتاج إلى حدوث تعبد
عليه يحرمه ، كما حدث على الحنطة فحرمها.
وقوله: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(33) ، و (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ(34) ، و (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ(35)
كله حجة على المعتزلة والقدرية ، والمسرف:
المشرك ، في أكثر آي القرآن.
وما ذكر من المتكبر الجبار نظير ما مضى من جواز تسمية المخلوق
بأسامي الخالق.
وقوله: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ(36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ) ، الآية حجة على المعتزلة من جهتين:
إحداهما: لا يزعمون: أنه ليس - بنفسه - في السماء ، وهذا المعنى من