فالجواب: لا شك أن العقلَ إذا كان مستغرقاً في الثناء كان ذلك أفضلَ في الدعاء لأن الدعاء طلب الجنة، والاستغراق في معرفة جلال الله أفضل من طلب الجنة، أما إذا لم يحصل الاستغراق كان الاشتغال بالدُّعَاء أولى؛ لأن الدعاء يشتمل على معرفة الربوبية وذُلّ العبودية.
{اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) }
«فَإِنْ قِيلَ» : هلاَّ قِيلَ بحسب رِعاية النظم هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه أو يقال: جعل لكم الليلَ ساكناً والنهار مبصراً ولكنه لم يقل ذلك، فما الفائدة؟
وما الحكمة في تقدم ذكر الليل؟
فالجَوابُ عن الأول: هو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عَدَمِيَّة فهو غير مقصود بالذات، وأما اليقظة فأمور وجودية، وهي مقصودة بالذات. وقد بيّن الشيخ عَبْدُ القَاهِر النَّحوِيُّ في دلائل الإعْجَازِ أن دلالة صيغة الاسم على الكمال والتمام أقوى من دلالة صيغة الفعل عليها فهذا هو السبب في الفَرْق.
وأما الجواب عن الثاني: فهو أن الظلمة طَبِيعَةٌ عدمِيَّة، والنورُ طبيعةٌ وجودية، والعدم في المُحْدَثَاتِ مقدَّمٌ على الوجود؛ فلهذا السبب قال في أول سورة الأنعام: {وَجَعَلَ الظلمات والنور} [الأنعام: 1] .
قوله: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ}
أي على الإبل في البرِّ، وعلى السفن في البَحْرِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ لَمْ يقل: في الفلك، كما قال: {قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين} [هود: 40] ؟
فالجَوابُ: كلمة على للاستِعْلاَء، فالشيء يُوضَع على الفلك كما صح أن يقال: وضع فيه صح أن يقال: وضع عليه ولما صح الوجهان كانت لفظةُ (عَلَى) أولى حتى يتم المزاوجة في قوله: {وعليها وعلى الفلك تحملون} .
وقال بعضهم: إن لفظة (فِي) هناك ألْيَقُ؛ لأن سفينة نُوحٍ على ما قيل كانت مُطْبِقَةً عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء، وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح، لأن الناس على ظهرها. انتهى انتهى {اللباب في علوم الكتاب} ...