قَالَ لَهُ قَائِلٌ: مِثْلُ مَاذَا؟ قَالَ: مِثْلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) [البقرة: 25] فَهاهنا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ) [يونس: 2] ، فَلَيْسَ فِيهِ شَرْطُ الْعَمَلِ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [غافر: 14] فهاهنا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ.
وَكَانَتِ الْأُمَّةُ تَفْزَعُ إِلَى أَنْبِيَائِهَا فِي حَوَائِجِهَا حَتَّى تَسْأَلَ الْأَنْبِيَاءُ لَهُمْ ذَلِكَ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي (الْبَقَرَةِ) بَيَانُهُ.
أَيْ (أَسْتَجِبْ لَكُمْ) إِنْ شِئْتُ، كَقَوْلِهِ: (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ) [الأنعام: 41] .
وَقَدْ تَكُونُ الِاسْتِجَابَةُ فِي غَيْرِ عَيْنِ الْمَطْلُوبِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَى مَا تقدم فِي (الْبَقَرَةِ) بَيَانُهُ فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ)
(جَعَلَ) هُنَا بِمَعْنَى خَلَقَ، وَالْعَرَبُ تُفَرِّقُ بَيْنَ جَعَلَ إِذَا كَانَتْ بمعنى خلق وبين جعل إذ لَمْ تَكُنْ بِمَعْنَى خَلَقَ، فَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى خَلَقَ فَلَا تُعَدِّيهَا إِلَّا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ بِمَعْنَى خَلَقَ عَدَّتْهَا إِلَى مَفْعُولَيْنِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) وقد مضى هذا المعنى في مَوْضِعٍ.
(وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ(78)
لا يأتي بها من قبل نفسه وإنما هي من عند اللَّهِ أَيْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ.
(إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ)
أَيْ إِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْمُسَمَّى لِعَذَابِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَإِنَّمَا التَّأْخِيرُ لِإِسْلَامِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ إِسْلَامَهُ مِنْهُمْ وَلِمَنْ فِي أَصْلَابِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقِيلَ: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقَتْلِ بِبَدْرٍ.