النَّحَّاسُ: وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ، لِأَنَّهُ إِذَا أَتَى بِالْبَيِّنَاتِ نَبِيٌّ لِمَنْ مَعَهُ وَلِمَنْ بَعْدَهُ فَقَدْ جَاءَهُمْ جَمِيعًا بِهَا وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُ بِهَا.
(فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ)
أَيْ أَسْلَافُكُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ)
تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ.
وَ (مَا) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي أَيِ الَّذِي أَقُولُهُ لَكُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أَيْ فَسَتَذْكُرُونَ قَوْلِي لَكُمْ إِذَا حَلَّ بِكُمُ الْعَذَابُ.
(وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ)
أَيْ أَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَأُسْلِمُ أَمْرِي إِلَيْهِ.
وَقِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا قَتْلَهُ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هَرَبَ هَذَا الْمُؤْمِنُ إِلَى الْجَبَلِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
وَقَدْ قِيلَ: الْقَائِلُ مُوسَى.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وهو قول ابن عباس.
(فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ(45)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا)
أَيْ مِنْ إِلْحَاقِ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ بِهِ فَطَلَبُوهُ فَمَا وَجَدُوهُ لِأَنَّهُ فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ.
قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ قِبْطِيًّا فَنَجَّاهُ اللَّهُ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
فَالْهَاءُ عَلَى هَذَا لِمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا لِمُوسَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْخِلَافِ.
(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ(46)
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أن هذا العرض في البرزخ.
احتج بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَثْبِيتِ عَذَابِ الْقَبْرِ بِقَوْلِهِ: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا) مَا دَامَتِ الدُّنْيَا.
كَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ كُلُّهُمْ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الدُّنْيَا، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ عَنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) .