وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه لا يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله شيء. ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم بكلام أو لسان. تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها.
فافهم هذا ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين.
(وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ(27)
وإنما خص موسى الاستجارة بالله سبحانه من هذا الصنف إنما خاطب فرعون وقومه لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله سبحانه ولا بالبعث.
(وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ...(28)
و"بعض"عند أبي عبيدة في موضع"كل"، لأن كل ما واعدوا به كائن لا بعضه.
وقيل: المعنى فيه: إنه قال لهم: إن، أصابكم ما يعدكم موسى هلكتم فضلاً عن الكل.
وهذا تأكيد لإلزام الحجة عليهم والتخويف، لأن البعض إذا كان فيه هلاكهم فالكل أعظم ضرراً، وأشد هلاكاً.
وقيل: معناه إن موسى توعدهم بعذاب الدنيا معجلاً وعذاب الآخرة مؤخداً، فقال لهم المؤمن: يصيبكم بعض الذي يعدكم أي: عذاب الدنيا معجلاً.
(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(51)
قال السدي: كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا فلا تذهب تلك الأمة الظالمة حتى يبعث الله عز وجل قوماً فينتصر بهم لأولئك المقتولين.
وقيل: معنى الآية الخصوص ولفظها عام.
والمعنى: إنه تعالى ينصر من أراد من الأنبياء والمؤمنين ويعطيهم الظفر في الدنيا على من خالفهم.
وامتنعت الآية من العموم لوجودنا أمماً قد قتلت المؤمنين والأنبياء.
قال أبو العالية:"ينصرهم بالحجة". انتهى انتهى {الهداية إلى بلوغ النهاية} ...