هذا السبيل من النظر لا بد إذًا من لقاء الله - جل ذكره - كما لا بد من الموت، كما
لا بد من الإحياء في الدار الآخرة (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) .
آية ذلك: وجود علم الفطرة فينا ومعرفة الحياة، ذلك لأنا كنا فيما هو موصوف
بالعلم والقدرة والمشيئة والأسماء والصفات، ألا ترى أن أحدًا لا يتعلم، بل يتذكر
أو يتفكر بتذكر فيذكر ويتفكر فيبصر ما قد غاب عنه بالسهو والغفلة والنسيان، فلا
بد من لقاء الله والرجوع إليه حق، نسأل الله أن يجعل لنا في ذلك كل يسر وخير
وكرامة بمنِّه وفضله العظيم.
كأنما ابن آدم قد شاهد كل مذكور ومعلوم، ثم أنسيه لكونه مخبرنا في خزائن
السَّمَاوَات والأرض، ثم في إنشائه نباتًا، ثم نطفة في البطن، ثم في إخراجه طفلاً،
فلما عقل تفكر، فإذا هو يتذكر كل ما عهده قبل، وعرف كل ما شاهده في البدء
الأول، إن ربنا لعليم حكيم، ما أعجب هذا من شأن، فقوله جل ذكره:(وَالسَّمَاوَاتُ
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ).
(وَالْأَرْضُ جَمِيعًا) أي: الأرضون كلها (قَبْضَتُهُ) يوم القيامة؛
يعني وهو أعلم بما ينزل: أن ذلك حال كونهن معدومات، وقد بدلت الأرض غير
الأرض والسَّمَاوَات.
وقوله: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) أي: نطويها
على ما قد جعل فيها يوم خلقها من أمر كل سماء الذي أوحى فيهن يوم سوَّاهن سبع
سموات، والسماء السابعة تحتوي على ما سواها منهن، فقوله (للكتاب) يتوجه إلى الأمر
المذكور، وقوله (لِلْكُتُبِ) يتوجه إلى انطواء كل سماء في التي فوقها حتى تحتوي عليهن
السابعة (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ(104) .
ثم قال - عز من قائل: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا
عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) . ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"يصيرها الله خبزة"
كالنقى"يعني: الدرمك، وكالنقى يعني: الشحم"يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ
أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة"."