أعلم الظل المذكور، ثم قال - عز من قائل: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا(45)
لو كان الليل ساكنًا لكان المعهود، والمعهود لا يعرف له غير حال
بقائه إلا بدليل يدل عليه وآية تعرف به، فاستاق ذكر إطلاعه الشمس دلالة على
الظل أن لو كان ساكنًا كما فرضه عرض بذلك إلى الإعلام بفوائد الدلالات ومنافع
التفصيل، ولما أطلع الشمس مد الظل مدًا آخر.
يقول - جل من قائل: (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا(46) . فأخبر -
جل ذكره - بصدق حديثه أن المعدوم ليس بمعدوم على الحقيقة، بل يصير إليه
كذلك، أخبر عن الملائكة بأنهم عنده، وعن الشهداء أنهم عنده، ويقال في
المؤمنين: إنهم صاروا إلى ربهم وإذا مات أحدنا قالوا: صار إلى اللَّه وما فعل ذلك
حتى لقي الله، ويقال في الكفار: إنهم أفضوا إلى ما قدموا، وقال الله - جل من قائل
-في العموم: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) .
قول الله - جلَّ جلالُه -: (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وذكر الرجوع إلى الله كثير في
القرآن هو لما قد تقدم ذكره أنهم كانوا في وجوده علمًا وقدرة ومشيئة، فكانوا بذلك
موجودين عنده وله، كما قال: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا
مَذْكُورًا (1) . أي: لسوى الله وإلا فالله عالم به ذاكر له في أزله وبما يخرجه
إله وما يأوله إليه، فلما أظهرهم صاروا بذلك موجودين. لأنفسهم، وظهر بعضهم
لبعض، ثم أوجدهم لأخذ الميثاق عليهم، ثم أعدمهم عنهم وبثهم في الخزائن، ثم
أظهر هذا الإظهار بهذه الحياة الدنيا، فإذا أماتهم أرجعهم إلى كونهم في الخزائن،
وذلك إرجاع منه إياهم إليه - عز جلاله - منه كان بدؤهم وإليه عودهم، فهذا
إرجاع حق.
كما قال فيما خلق من الأرض: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) فيها؛ أي: في
إظهاره إيانا اليوم (وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) أي: بعد الموت حال البلاء(وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ
تَارَةً أُخْرَى)فكذلك دائرة الإرجاع إليه منه كان البدء وإليه العود، وعلى