قوله: {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} : العامَّةُ على رفعِهما ، وهي جملةٌ مِنْ مبتدأ وخبرٍ . وفي محلِّها وجهان ، أحدهما: النصبُ على الحالِ من الموصولاتِ ؛ لأنَّ الرؤيةَ بَصَرِيَّةٌ ، وكذا أَعْرَبَها الزمخشريُّ . ومِنْ مذهبِه أنه لا يجوزُ إسقاطُ الواوِ مِنْ مثلِها إلاَّ شاذَّاً ، تابعاً في ذلك الفراءَ فهذا رجوعٌ منه عن ذلك . والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ مفعولاً ثانياً ؛ لأنَّ الرؤيةَ قلبيةٌ . وهو بعيدٌ لأن تَعَلُّقَ الرؤيةِ البصريةِ بالأجسام وألوانِها أظهرُ مِنْ تعلُّقِ القلبيةِ بهما . وقُرِئ"وجوهَهم مُسْودَّة"بنصبِهما ، على أنَّ"وجوهَهم"بدلُ بعضٍ مِنْ كل ، و"مُسْوَدَّةً"على ما تقدَّم من النصبِ على الحال أو على المفعولِ الثاني . وقال أبو البقاء: " ولو قُرِئ"وجوهَهم"بالنصب لكانَ على بدلِ الاشتمالِ " . قلت: قد قُرِئ به والحمدُ لله ، ولكنْ ليس كما قال على بدلِ الاشتمال ، بل على بدلِ البعضِ ، وكأنه سَبْقُ لسانٍ أو طغيانُ قَلَم . وقرأ أُبَيٌّ"أُجوهُهم"بقلبِ الواوِ همزةً ، وهو فصيحٌ نحو: {أُقِّتَتْ} [المرسلات: 11] وبابِه .
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)
قوله: {بِمَفَازَتِهِمْ} : قرأ الأخَوان وأبو بكرٍ"بمفازاتِهم"جمعاً لَمَّا اختلفَتْ أنواعُ المصدرِ جُمِعَ . والباقون بالإِفرادِ على الأصلِ . وقيل: ثَمَّ مضافٌ محذوفٌ ، أي: بدواعي مَفازتِهم أو بأسبابِها . والمَفازَةُ: المَنْجاة . وقيل: لا حاجةَ لذلك ؛ إذ المرادُ بالمَفازةِ الفلاحُ .
قوله: {لاَ يَمَسُّهُمُ السوء} يجوزُ أَنْ تكونَ هذه الجملةُ مفسِّرةً لمفازَتهم كأنَّه قيل: وما مفازَتُهم؟ فقيل: لا يَمَسُّهم السوءُ فلا مَحَلَّ لها . ويجوزُ أَنْ تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحال من الذين اتَّقَوا .