وقوله تعالى: {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الزمر: 69] أي: قضى اللهُ بين الناس وأهل المشهد وحكم بين الخلائق، والذي يقضي هو الله. إذن: فهو قضاء بالحق لا يُظلم فيه أحدٌ، فليس لأحد في هذا اليوم إرادة، وليس لأحد حكم ولا هوى، إنما الأمر كله لله إنْ شاء اقتصَّ للمظلوم من الظالم، وإنْ شاء أرضى المظلوم وعفا عن الظالم.
ثم يقول سبحانه: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} [الزمر: 70] أي: يجازيها بما عملت إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشر.
وهذه الآية وقف عندها المستشرقون يتهمون سياقها بعدم التناسق، فالتناسق في نظرهم أن نقول: ووُفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يعملون. وهم يقولون ذلك لأنهم لا يدركون الفرق بين الفعل والعمل، فالفعل مقابل القول، فاللسان وحده له مهمة القول وباقي الجوارح تفعل، العين ترى، والأذن تسمع، واليد تبطش، والرِّجْل تسعى .. إلخ.
كل جارحة لها مهمة وهذه كلها أفعال، أما العمل فيشمل القول والفعل، كل منهما يُسمَّى عملاً، لذلك يقول تعالى:
{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 2] .
لكن لماذا خصَّ اللسان بالشطر وباقي الجوارح بالشطر الآخر؟ قالوا: لأن القول يتم به البلاغ والتبليغ، فاستحق أنْ يكون عمدة الجوارح.
فما نتيجة هذه التوفية للأعمال؟ نتيجة توفية الأعمال أن تنال كل نفس ما تستحقه على عملها في الدنيا، لذلك بعد أنْ تتم التوفية ويتم الحساب يُساق أهل الإيمان إلى الجنة، ويُساق أهل الكفر إلى النار. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ} ...