فلفظ القبضة واليمين حقيقة في الجارحة ، والدليل العقلي قائم على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح لله تعالى ، فوجب الحمل على المجاز ، وذلك أنه يقال: فلان في قبضة فلان ، إذا كان تحت تدبيره وتسخيره ، ومنه: {أو ما ملكت أيمانهم} فالمراد كونه مملوكاً لهم ، وهذه الدار في يد فلان ، وقبض فلان كذا ، وصار في قبضته ، يريدون خلوص ملكه ، وهذا كله مجاز مستفيض مستعمل.
وقال ابن عطية: اليمين هنا والقبضة عبارة عن القدرة ، وما اختلج في الصدر من غير ذلك باطل.
وما ذهب إليه القاضي ، يعني ابن الطيب ، من أنها صفات زائدة على صفات الذات ، قول ضعيف ، ويحسب ما يختلج في النفوس التي لم يحصها العلم.
قال عز وجل: {سبحانه وتعالى عما يشركون} : أي منزه عن جميع الشبه التي لا تليق به. انتهى.
وقال القفال: هذا كقول القائل: وما قدرني حق قدري ، وأنا الذي فعلت كذا وكذا ، أي لما عرفت أن حالي وصفتي هذا الذي ذكرت ، وجب أن لا تخطئ عن قدري ومنزلتي ، ونظيره: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} أي كيف تكفرون من هذه صفته وحال ملكه؟ فكذا هنا ، {وما قدروا الله حق قدره} : أي زعموا أن له شركاء ، وأنه لا يقدر على إحياء الموتى ، مع أن الأرض والسماوات في قبضة قدرته. انتهى.
{والأرض} : أي والأرضون السبع ، ولذلك أكد بقوله: {جميعاً} ، وعطف عليه {والسماوات} ، وهو جمع ، والموضع موضع تفخيم ، فهو مقتض المبالغة.
والقبضة: المرة الواحدة من القبض ، وبالضم: المقدار المقبوض بالكف ، ويقال في المقدار: قبضته بالفتح ، تسمية له بالقدر ، فاحتمل هنا هذا المعنى.
واحتمل أن يراد المصدر على حذف مضاف ، أي ذوات قبضة ، أي يقبضهن قبضة واحدة ، فالأرضون مع سعتها وبسطتها لا يبلغن إلا قبضة كف ، وانتصب جميعاً على الحال.
قال الحوفي: والعامل في الحال ما دل عليه قبضته انتهى.
ولا يجوز أن يعمل فيه قبضته ، سواء كان مصدراً ، أم أريد به المقدار.