نَرَى فِي دِينِكُمْ أَكْثَرَ الْفَوَاحِشِ فِيمَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَأَفْقَهُ فِي دِينِكُمْ كَالزِّنَى وَاللِّوَاطِ وَالْخِيَانَةِ، وَالْحَسَدِ وَالْبُخْلِ، وَالْغَدْرِ وَالْجُبْنِ، وَالْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَقِلَّةِ الْوَرَعِ وَالْيَقِينِ، وَقِلَّةِ الرَّحْمَةِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْحَمِيَّةِ، وَكَثْرَةِ الْهَلَعِ، وَالتَّكَالُبِ عَلَى الدُّنْيَا وَالْكَسَلِ فِي الْخَيْرَاتِ، وَهَذَا الْحَالُ يُكَذِّبُ لِسَانَ الْمَقَالِ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: مَاذَا عَلَى الرُّسُلِ الْكِرَامِ مِنْ مَعَاصِي أُمَمِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ؟
وَهَلْ يَقْدَحُ ذَلِكَ شَيْئًا فِي نُبُوَّتِهِمْ، أَوْ يُوجِبُ تَغَيُّرًا فِي وَجْهِ رِسَالَتِهِمْ؟!
وَهَلْ سَلِمَ مِنَ الذُّنُوبِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَأَجْنَاسِهَا إِلَّا الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟
وَهَلْ يَجُوزُ رَدُّ رِسَالَتِهِمْ وَتَكْذِيبُهُمْ بِمَعْصِيَةِ بَعْضِ أَتْبَاعِهِمْ لَهُمْ؟
وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ أَقْبَحِ التَّعَنُّتِ؟
وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ مَرِيضٍ دَعَاهُ طَبِيبٌ نَاصِحٌ إِلَى سَبَبٍ يَنَالُ بِهِ غَايَةَ عَافِيَتِهِ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ طَبِيبًا لَمْ يَكُنْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ مَرْضَى.
وَهَلْ يَلْزَمُ الرُّسُلَ أَنْ يَشْفُوا جَمِيعَ الْمَرْضَى بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِي الْعَالَمِ مَرِيضٌ؟
وَهَلْ تَعَنَّتَ أَحَدٌ عَلَى الرُّسُلِ بِمِثْلِ هَذَا التَّعَنُّتِ؟
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الذُّنُوبَ أَوِ الْمَعَاصِيَ أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْأُمَمِ، لَمْ يَزَلْ فِي الْعَالَمِ مِنْ طَبَقَاتِ بَنِي آدَمَ عَالِمِهِمْ وَجَاهِلِهِمْ، وَزَاهِدِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَرَاغِبِهِمْ، وَأَمِيرِهِمْ وَمَأْمُورِهِمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ أَمْرًا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ حَتَّى يُقْدَحَ بِهِ فِيهَا وَفِي نَبِيِّهَا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِيَ لَا تُنَافِي الْإِيمَانَ بِالرُّسُلِ، بَلْ يَجْتَمِعُ فِي الْعَبْدِ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ، وَالذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي، فَيَكُونُ فِيهِ هَذَا وَهَذَا.
فَالْمَعَاصِي لَا تُنَافِي الْإِيمَانَ بِالرُّسُلِ وَإِنْ قَدَحَتْ فِي كَمَالِهِ وَتَمَامِهِ.