{يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) }
لَا تطلب الْحَيَاة إلا بالعافية وَلَا تتمّ الْعَافِيَة إلا بِالرِّضَا، وإنما يرضى الله على من تَابَ من مُخَالفَته من أهل مرافقته
من لم يلْزم نَفسه بتقوى الله فَهُوَ لئيم وَمن لم يرض بِمَا قسم الله لَهُ فَهُوَ عديم
الشَّأْن كُله فِي أن تفهم عَن الله ثَلَاثَة أصول:
أولها أن تعرف الله بما تعرف بِهِ إليك بِمَا هُوَ أهله، وتعرف مَا فرض الله عَلَيْك مَعْرفَته من أحكام شَرْعِيَّة.
ثَانِيها أن تُطِيعهُ فِي فعل الْوَاجِبَات وَترك الْمُحرمَات.
ثالثها أن تشتاق إلى مَا شوق إليه وَتخَاف مَا خوف مِنْهُ، فإذا أحكمت هَذِه الأصول لم يتأخر عَنْك الْوُصُول
لأن الْعَالم بِصِفَات الله وأحكامه أعْلَم الْعَالمين وَالْعَامِل بِطَاعَة الله فِيمَا أمره ونَهَاهُ أعمل العاملين
ذهب الزاهدون بالراحة وَحصل العابدون على المثوبة وَنَجَا الورعون من المناقشة وتحضر المتقون من الْعقُوبَة وفاز المتقربون من الْقرب، والقرب من الله نطام رغائب الطالبين وَغَايَة مطَالب الراغبين وَلَيْسَ للقرب من الله نِهَايَة تَنْتَهِي إليها المساعي فطالب الْقرب على قدم الْجد فِي الدُّنْيَا ساع لَا تَسْتَقِر بِهِ دَار وَلَا يقر لَهُ قَرَار كلما بلغ من الْقرب غَايَة علم بِأَن لَهُ وَرَاءَهَا عَلَيْهِ أخرى فَهُوَ سَائِر إلى الله أبدا لَا يفتر
اللَّهُمَّ عطشنا بالشوق إلى لقائك واسلكنا فِي سلك أوليائك وأعقبنا جبرا لَا يعقبه كسر وأغننا غنى لَيْسَ مَعَه فقر وخر لنا واختر لنا فِي كل مَا تقضي من أمر واحفظنا فِي أنفسنا وأهلينا وَذُرِّيَّاتنَا وأهل ملتنا من كل مَا يسوءنا واجعلنا فِي كل أنواع الطَّاعَة إليك مقربين وَفِيمَا عنْدك راغبين وإلى مَا أعددت لأوليائك متقبلين وصل على نبيك مُحَمَّد وآله وَصَحبه أجمعين. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...