كَانَ الْأَشْيَاخ فِي قديم الزَّمَان أَصْحَاب قدم والمريدون أَصْحَاب ألم فَذهب الْقدَم والألم كَانَ المريد يسئل عَن غُصَّة وَالشَّيْخ يعرف الْقِصَّة فاليوم لَا غُصَّة وَلَا قصَّة كَانَ الزّهْد فِي بواطن الْقُلُوب فَصَارَ فِي ظواهر الثِّيَاب كَانَ الزّهْد حرقة فَصَارَ الْيَوْم خرقَة وَيحك صوف قَلْبك لَا جسمك وَأصْلح نيتك لَا مرقعتك غير زيك أَيهَا الْمرَائِي فَهُوَ يَصِيح خذوني تحملن السَّيْف وَمَا تحسن الْقِتَال سيف وَدرع لزمن هتكة ولمقعد فضيحة البهرج يتَبَيَّن عِنْد الحك إِذا كَانَ العلوى ثَابت النّسَب لم يحْتَج إِلَى ضفيرتين وَلَا يصير المخنث تركيا بِلبْس القباء وَلَا الْمرَائِي وليا بِلبْس العباء هَذِه من النكت الخفايا وَفِي الزوايا خبايا وَا عجَبا مَا للدواعي إِلَى الدعاوي الْبَاطِن ينْطق لما علم الصالحون خطر البيات أدلجوا بأحمال الْأَعْمَال فِي ليل الكتم كَانَ الْبكاء إِذا غلب أَيُّوب قَالَ مَا أَشد الزُّكَام
(هبيني أستر الْبلوى ... أَلَيْسَ الدمع يفضحني)
(لساني فِيك أملكهُ ... ودمع الْعين يملكني)
صَامَ دَاوُد بن أبي هِنْد أَرْبَعِينَ سنة لم يعلم بِهِ أحد كَانَ يَأْخُذ غداه وَيخرج إِلَى الدّكان فَيتَصَدَّق بِهِ فِي الطَّرِيق فيظن أهل السُّوق أَنه قد أكل فِي الْبَيْت ويظن أَهله أَنه قد أكل فِي السُّوق
لجَابِر الْجرْمِي
(ومستخبر عَن سر ليلى رَددته ... فَأصْبح فِي ليلى بِغَيْر يَقِين)
(يَقُولُونَ خبرنَا فَأَنت أمينها ... وَمَا أَنا إِن أَخْبَرتهم بأمين)
كَانَ ابْن سِيرِين يتحدث بِالنَّهَارِ ويضحك فَإِذا جَاءَ اللَّيْل أَخذ فِي الْبكاء والعويل
(نهاري نَهَار النَّاس حَتَّى إِذا بدا ... لي اللَّيْل هزتني إِلَيْك الْمضَاجِع)
(أَقْضِي نهاري بِالْحَدِيثِ وبالمنى ... ويجمعني والهم بِاللَّيْلِ جَامع)
كَانَ خوفهم من الرِّيَاء يُوجب مدافعة النَّهَار فَإِذا خلوا بالحبيب لم يصبر المشوق
(أحن بأطراف النَّهَار صبَابَة ... وبالليل يدعوني الْهوى فَأُجِيب)
لَو قدرُوا على اسْتِدَامَة الكتمان مَا أذاعوا وَكم يقدر المشتاق أَن يكتم الوجدا إِذا جن اللَّيْل وظلامه ثار سجن الْمُحب وسقامه وَرمى الوجد فأصابت سهامه واستطلق مزاد الْعين فأنهل سجامه وَطَالَ بالحزين قعوده وقيامه
(كم بذكراك ولوعي ... يَا جوى بَين الضلوع)
(هجع العاذل لَكِن ... من لعَيْنِي بالهجوع)