والظاهر أن الجنة جعلها الله مسكناً لأهل النفوس المقدسة من الملائكة والناس مثل الرسل فلذلك هي مخلوقة من قبل ظهور التكليف، وأما جهنم فيحتمل أنها مقدمة وهو ظاهر حديث:"اشتكت النار إلى ربها فقالت: أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنَفَسَيْن نفس في الشتاء ونفس في الصيف".
ويحتمل أنها تخلق يوم الجزاء ويتأول الحديث.
وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى ما وصف من الخسران والعذاب بتأويل المذكور.
والتخويف: مصدر خوفه، إذا جعله خائفاً إذا أراه ووصف له شيئاً يثير في نفسه الخوف، وهو الشعور بما يؤلم النفس بواسطة إحدى الحواس الخمس.
والعباد المضاف إلى ضمير الجلالة في الموضعين هنا يعمّ كل عبد من الناس من مؤمن وكافر إذ الجميع يخافون العذاب على العصيان، والعذاب متفاوت وأقصاه الخلود لأهل الشرك، وليس العباد هنا مراداً به أهل القرب لأنه لا يناسب مقام التخويف ولأن قرينة قوله: {عِبَادَهُ} تدل على أن المنادَيْن جميع العباد، ففرق بينه وبين نحو {يا عبادِ لا خوف عليكم اليوم} [الزخرف: 68] .
{يَا عِبَادِ فَاتَّقُون}
تفريع وتعقيب لِجملة {ذلك يُخوّفُ الله بهِ عِبَادَه} لأن التخويف مؤذن بأن العذاب أعد لأهل العصيان فناسب أن يعقب بأمر الناس بالتقوى للتفادي من العذاب.
وقدم النداء على التفريع مع أن مقتضى الظاهر تأخيره عنه كقوله تعالى: {واتقون يا أولي الألباب} في سورة [البقرة: 197] لأن المقام هنا مقام تحذير وترهيب، فهو جدير باسترعاء ألباب المخاطبين إلى ما سيرد من بعد من التفريع على التخويف بخلاف آية البقرة فإنها في سياق الترغيب في إكمال أعمال الحج والتزود للآخرة فلذلك جاء الأمر بالتقوى فيها معطوفاً بالواو.
وحذفت ياء المتكلم من قوله: {يا عِبادِ} على أحد وجوه خمسة في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 24 صـ}