فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 379310 من 466147

قد يقول قائل: هل تنجو السفينة أو تغرق بسبب شخص واحد خَفَّ من وزنها أو زادَ عليه؟ نقول: نعم ألم تسمع عن القشَّة التي قصمتْ ظهر البعير، فأنت حين تُحمِّل الجمل يتحمَّل على قدر طاقته، حتى إذا زدْتَ عليه عوداً واحداً برك بحمله، والحقيقة أن العود الواحد أو القشة لا تقصم ظهر البعير، إنما مجموع العيدان والقشة الأخيرة هي فقط التي رجَّحتْ الوزن ووصلت به إلى درجة عدم التحمُّل، كذلك الحال في سفينة سيدنا يونس، حيث توقف نجاتها من الغرق على إلقاء واحد من ركابها، وهلاك واحد خير من هلاك الجميع.

ونتعلم من هذه المسألة أنه لا مانعَ حين يحل الخطر بالجماعة أنْ يدفعه عنهم أحدهم، والقرعة هي التي تحدد هذا الواحد.

ثم يقول سبحانه {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات: 142] أي: ابتلعه الحوت، وقد فعل عليه السلام ما يُلاَم عليه، واللوم نوع من العتاب، وفَرْق بين ما تُلاَم عليه وما تُعَاقب عليه، سيدنا يونس فعل ما يُعاتَبُ عليه من ربه - عز وجل - وكأن الله يقول له: لقد تسرعتَ حين تركتَ قومك وضِقْتَ بهم لأول إيذاء تتعرَّض له، وكان عليك أنْ تصبر، وأنْ تتحمل الأذى في سبيل دعوتك. فاللوم ضَرْب من العتاب، لا يصل إلى درجة العقاب، وغالباً ما ينشأ العتاب بين الأحبة لاستبقاء المودة، لذلك قال الشاعر:

أمّا العِتَابُ فَبِالأَحِبَّةِ أَخْلَقُ ... والحبُّ يَصْلُحُ بالعِتَاب وَيَصْدُقُ

ومعلوم أنك لا تعاتب إلا مَنْ تحرص عليه ليظل في صحبتك.

إذن: يشفع لسيدنا يونس هنا عدة أشياء أولها {إِذْ أَبَقَ} [الصافات: 140] يعني: كان عبداً لله تعالى، ثم

{فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ}

[الأنبياء: 87] أي: لا نُضيِّق عليه، وهذا حُسْن ظن بالله، ثم {وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات: 142] فالله عاتبه ولامه مجرد لَوْمٍ، على أمر لا يصحُّ من نبي، والعتاب دليل المحبة.

وقوله تعالى: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 144] التسبيح يعني: التنزيه المطلق لله تعالى فكوْنه من المسبحين جعله موضعاً للَّوْم والعتاب، لا للإيذاء والعذاب، فلولا إيمانه وتسبيحه لَظَلَّ في بطن الحوت إلى يوم يُبْعَثُون.

مسألة عتاب الحق سبحانه لنبيه يونس على تركه لقومه وتخلِّيه عنهم، لمجرد أنهم عاندوه وكذَّبوه يُذكِّرنا بسنة الله تعالى في رسُله، وهي النُّصْرة والتأييد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت