{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51] .
لكن قد يتأخر هذا النصر، مع أن الله قادر أنْ ينصرهم من أول وهلة، لكن الحق سبحانه يريد بذلك أمرين:
أولاً: أنْ يستشريَ الفسادُ ويعُمَّ، حتى يضيق الناس به فيتطلَّعون إلى الحق وإلى الخير، ويَسعَوْنَ هم إليه.
ثانياً: ليُمحِّص اللهُ المؤمنين بالرسل، ويميز منهم أصحاب الثبات والقدرة على تحمُّل مشاقِّ الدعوة فيما بعد. إذن: تأخُّر النّصْرة ليس خُذْلاناً للرسل، ولا تخلياً عنهم، فما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ويتخلَّى عنه.
{فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} * {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} * {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} * {فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}
نلحظ في الأَخْذ، قال {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ} [الصافات: 142] فنسب الفعل للحوت، لكن هنا في النجاة نسب الفعل إلى الله، فقال {فَنَبَذْنَاهُ} [الصافات: 145] أي: ألقيناه وطرحناه {بِالْعَرَآءِ} [الصافات: 145] أي: في أرض فضاء واسعة {وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 145] يعني: مريض أو مُتْعب من الضيق الذي عاناه في بطن الحوت، أو سقيم من التفكير فيما حدثَ من قومه، وفيما حدث منه، فهي تحتمل السقم المادي والمعنوي.
ثم لم يتركه ربه بهذا العراء، بعد أنْ ألقاه الحوت في هذه الأرض الفضاء وهو مُتْعَب، وأشبه ما يكون بالطفل بعد ولادته، فأنبتَ اللهُ له شجرةَ اليقطين {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} [الصافات: 146] وهي شجرة عريضة الأوراق قالوا: هي شجرة القرع تستره وتُظِلُّه وتحميه من الذباب والحشرات؛ لأنه خرج وحوله إفرازات من بطن الحوت تعوق تنفُّس جلده، وتعوق حالته الصحية، وتجعله لزقَ المزاج.
لذلك لما سُئِل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شجرة اليقطين، قال:"هي شجرة أخي يونس".
والهاء في (عَلَيهِ) تعود على سيدنا يونس، وهذا يعني أن إنبات هذه الشجرة حدث بعد أنْ ألقاه الحوت في العراء، ولم تكُنْ شجرة اليقطين موجودةً في هذا المكان من قبل.