ونكتفي بالإشارة هنا إلى أن الفاء في {فَبَشَّرْنَاهُ} للتعقيب، والبشارة: الإِخبار بخير وارد عن قرب أو على بعد؛ فإن كان الله بشّر إبراهيم بأنه يولد له ولد أو يوجد له نسل عقب دعائه كما هو الظاهر وهو صريح في سفر التكوين في الإصحاح الخامس عشر فقد أخبره بأنه استجاب له وأنه يهبه ولدًا بعد زمان، فالتعقيب على ظاهره؛ وإن كان الله بشره بغلام بعد ذلك حين حملت منه هاجر جاريته بعد خروجه بمدة طويلة، فالتعقيب نسبي، أي بشرناه حين قدّرنا ذلك أول بشارة بغلام فصار التعقيب آئلًا إلى المبادرة كما يقال: تزوج فولد له؛ وعلى الاحتمالين فالغلام الذي بُشر به هو الولد الأول الذي ولد له وهو إسماعيل لا محالة. وهذا الغلام الذي بشر به إبراهيم هو إسماعيل ابنه البكر وهذا غير الغلام الذي بشره به الملائكة.
والرد على قولهم أن إسحاق وحده هو المبشر به دون إسماعيل:
فإنه يكفي أن تكون هذه الآية {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) } كما يقول الآلوسي دليلًا على أنه مبشر به أيضًا لأن قوله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ} بعد استيفاء هذه القصة في
سورة الصافات وتذييلها بما ذيل ظاهر الدلالة على أن هنالك بشارتين متغايرتين.
الحجة الثانية:
كما استدلوا بأول الآيات في سورة الصافات، استدلوا بآخر الآيات كما قال الرازي في (سياق حجج من قال بأنه إسحاق) لأنه تعالى لما أتم قصة الذبيح قال بعده: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) } (الصافات: 112) ومعناه أنه بشره بكونه نبيًا من الصالحين، وذكر هذه البشارة عقيب حكاية تلك القصة يدل على أنه تعالى إنما بشره بهذه النبوة لأجل أنه تحمل هذه الشدائد في قصة الذبيح، فثبت بما ذكرنا أن أول الآية وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحاق عليه السلام.
وعلى هذا قال القرطبي: