والخلاصة: أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأن الظلم في الأعقاب لا يعود إلى الأصول بنقيصة ولا عيب عليهم في شيء منه، كما قال: {وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى} .
تتمة: مَنِ الذبيح، أإسحاق أم إسماعيل؟ ليس في هذه المسألة دليل قاطع من سنة صحيحة ولا خبر متواتر، بل روايات منقولة عن بعض أهل الكتاب، وعن جماعة من الصحابة والتابعين، ومن ثم حدث الخلاف فيها:
أولًا: فمن قائل: إنه إسحاق، ويؤيده:
1 -ما روي عن يوسف عليه السلام: أنه قال لفرعون مصر في وجهه: أترغب عن أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.
2 -ما روي عن أبي الأحوص قال: افتخر رجل عند ابن مسعود، فقال: أنا فلان بن فلان بن الأشياخ الكرام، فقال ابن مسعود: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله.
3 -ما حكاه البغوي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس: أنه إسحاق. ولكعب الأحبار ضلع في هذه الأخبار وأمثالها التي تلقاها المسلمون منه، وكان يحدث بها عن الكتب القديمة وهي جامعة بين الغث والسمين، ثقة بأن عمر - رضي الله عنه - قد استمع منه. ومن ثم احتاج الثقات إلى تمحيصها، وعزل جيدها من بهرجها، وصحيحها من سقيمها.
ثانيًا: ومن قائل: إنه إسماعيل، وهو الذي يساوقه صحيح النظر، ونصوص القرآن. ويؤيده:
1 -رواية ذلك عن ابن عباس، فقد روى عطاء ابن أبي رباح عنه أنه قال: المفدي هو إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود.
2 -روى مجاهد عن ابن عمر أنه قال الذبيح إسماعيل.
3 -أن ابن إسحاق قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: إن الذي أمر الله بذبحه من ابني إبراهيم هو إسماعيل، وإنا لنجد ذلك في كتاب الله تعالى، فإنه بعد أن فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال: {وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} وقال: {فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ} ، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق، وله فيه من الموعد ما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل، قال ابن إسحاق: سمعته يقول ذلك كثيرًا.