ثم من أصحابنا من احتج على المعتزلة بهذه الآية في خلق أفعال العباد؛ يقولون: أخبر - عليه السلام - عن خلق أنفسهم وعن خلق أعمالهم حيث قال: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(96) لكنهم يقولون: ليس فيه دلالة خلق أفعالهم؛ ألا ترى أنه قال عليه السلام: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ) وهم لا يعبدون النحت إنما يعبدون ذلك المنحوت؛ فعلى ذلك لم يخلق أفعالهم وأعمالهم، ولكن خلق ذلك المعمول نفسه، وانله أعلم.
لكن الاحتجاج عليهم من وجه آخر في ذلك كأنه أقرب وأولى وهو أن صير ذلك المعمول خلقا لله تعالى بقوله: (خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) ؛ لأنهم إنما يعبدون ذلك المعمول وهو، مخلوق لله دل أن عملهم الذي عملوا به مخلوق؛ لذلك قلنا: إن فيه دلالة خلق أعمالهم، واللَّه أعلم ووهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) إنما صار التواب والمتطهر محبوبًا لحبه التوبة والتطهر، وصار المعتدي غير محبوب لبغضه الاعتداء، فعلى ذلك المعمول صار مخلوقًا بخلقه عمله، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ(97)
كأنه قَالَ بَعْضُهُمْ لبعض: ابنوا له بنيانا ليجمع فيه الحطب فتعظم فيه النار فيصير جحيمًا، ثم ألقوا إبراهيم في الجحيم، والجحيم قد ذكرنا أنه معظم النار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ(98)
أي: هالكين، يقولون: ما تأخر اللَّه بعد ذلك حتى أهلكهم.
ويشبه أن يكون ما ذكرنا واللَّه أعلم، فإذا أرادوا إهلاك إبراهيم - عليه السلام - فصاروا من الهالكين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: ذاهب إلى ربي بقلبي وعملي ونيتي وذلك في الآخرة.