ظاهر هذا أنهم أقبلوا إليه وقت ما كسرها وفعل بها ما فعل، لكن في آية أخرى ما يدل أن إقبالهم إليه كان بعد ما خرج من عندها وغاب وكان بعد ذلك بزمان؛ ألا ترى أنهم قالوا: (مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ(59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) الآية، ولو كانوا أقبلوا إليه مزفين وهو عندها حاضر لم يحتاجوا إلى أن يقولوا: (مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا) ، بل يقولون: إن إبراهيم فعل ذلك بها، ولا كان لقول إبراهيم: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) ، معنى، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَزِفُّونَ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: يمشون إليه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يسرعون؛ وهو قول أبي عَوْسَجَةَ. وأصل التزفيف: كأنه المشي فيه سرعة، على ما يسرع المرء في المشي إذا أصابه شيء أو فعل به أمر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ(95)
يسفههم بعبادتهم ما ينحتون بأيديهم ويتخذونها بأنفسهم، على علم منهم أنها لا تملك نفعًا ولا ضرًّا، والذي نحتها أولى بالعبادة له أي: أولى بأن يعبد - إن كان يجوز العبادة لمن دونه - من ذلك المنحوت؛ إذ هو يملك شيئًا من النفع والضر والمنحوت لا، فإذا لم تعبدوا الناحت لها والمتخذ وهو أقرب وأنفع، فكيف تعبدون ذلك المنحوت الذي لا يملك شيئا وتركتم عبادة الذي خلقكم وخلق أعمالكم؟!