الرحمن 24 يعني كالجبال الشامخة. نقول ومتى ظهرتْ السفن العملاقة التي تُوصَف بهذا الوصف؟ إنها لم تظهر إلا في العصر الحديث، وكانت قَبْلُ سفناً عادية بدائية، فمن الذي أخبر سيدنا رسول الله بهذا التقدم الجاري الآن في صناعة السفن، حتى إنه لَيُخيَّل لك أنها مدينة متحركة على أمواج البحر. وقوله {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} فاطر 12 تطلبوا رزق الله وفضل الله في حركة السفن، سواء كانت للصيد أو للسفر {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فاطر 12 كلمة لعل كما نعلم تدل على الرجاء، والمعنى لعلكم بعد كل هذه النعم تقابلونها بالشكر، وفي هذا إشارة إلى قِلَّة مَنْ يشكر. بعد ذلك ينتقل بنا السياق إلى ظاهرة أخرى وآية من آيات الكون {يُولِجُ الْلَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ ...} .
صحيح أن الليل والنهار يتساويان في بعض الأحايين، لكن يطول الليلُ في الشتاء فيأخذ جُزْءاً من النهار، ويطول النهار في الصيف فيأخذ جزءاً من الليل، إذن طُول أحدهما نَقْص من الآخر، هذا معنى {يُولِجُ الْلَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ} فاطر 13 يعني يُدخِل هذا في هذا. وظاهرة إدخال الليل في النهار وإدخال النهار في الليل ناشئة من ميل المحور، فالحق سبحانه كما وزَّع الماء وحفظه في البحر الواسع، كذلك وزَّع الحرارة، فالشمس لولا وجود المحور المائل لاحترقتْ الجهة المقابلة للشمس وتجمدتْ الجهة الأخرى. ومن عجائب الخلق أن الإنسان الذي يعيش عن القطب الشمالي أو القطب الجنوبي حرارته 37 مثل الذي يعيش عند خط الاستواء، لأن الجسم البشري مبنيٌّ على هندسة خاصة تحفظ له حرارته المناسبة أيَّاً كان، بل تحفظ لكل عضو فيه حرارته التي تناسبه مع أن الأعضاء كلها في جسم واحد، والحرارة تُشِعُّ وتستطرق في المكان كله. عجيب أن الكبد مثلاً لا يؤدي وظيفته الطبيعية إلا في درجة حرارة 40، والعين لا تزيد حرارتها عن 7، فمَنْ يمنع حرارة الكبد أن تستطرق في الجسم كله وتصل إلى العين مثلاً؟ إنه الخالق
{الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}
الأعلى 2 - 3. وقوله سبحانه {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} فاطر 13 يعني ذلَّلهما للإنسان، وجعلهما في خدمته دون قدرة له عليهما، ودون إرادة منه، فالشمس والقمر آيتان في الهيكل العام للكون لا دّخْلَ للإنسان فيهما، ولو كان له دَخْل لَفَسد أمرهما وما استقام، وصدق الله