وقد ذكر قوماً طلبوا العزة عند من سواه فقال: {الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً} [النساء: 139] .
فأنبأك صريحاً لا إشكال فيه أن العزة له يُعِزّ بها من يشاء ويُذِل من يشاء.
وقال صلى الله عليه وسلم مفسّراً لقوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً} :"من أراد عز الدارين فليطع العزيز"وهذا معنى قول الزجاج.
ولقد أحسن من قال:
وإذا تذلّلت الرقاب تواضعاً ...
منا إليك فعزّها في ذلها
فمن كان يريد العزة لينال الفوز الأكبر ، ويدخل دار العزة ولله العزة فليقصِد بالعزة الله سبحانه والاعتزازَ به ؛ فإنه من اعتز بالعبد أذله الله ، ومن اعتز بالله أعزه الله.
قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ} فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب} وتم الكلام.
ثم تبتدئ {والعمل الصالح يَرْفَعُهُ} على معنى: يرفعه الله ، أو يرفع صاحبه.
ويجوز أن يكون المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب ؛ فيكون الكلام متصلاً على ما يأتي بيانه.
والصعود هو الحركة إلى فوق ، وهو العروج أيضاً.
ولا يتصوّر ذلك في الكلام لأنه عَرض ، لكن ضرب صعوده مثلاً لقبوله ؛ لأن موضع الثواب فوق ، وموضع العذاب أسفل.
وقال الزجاج: يقال ارتفع الأمر إلى القاضي أي علمه ؛ فهو بمعنى العلم.
وخص الكلام والطيب بالذكر لبيان الثواب عليه.
وقوله:"إِلَيْهِ"أي إلى الله يصعد.
وقيل: يصعد إلى سمائه والمحل الذي لا يجري فيه لأحد غيرِه حكم.
وقيل: أي يحمل الكتاب الذي كتب فيه طاعات العبد إلى السماء.
و"الْكَلِمُ الطَّيِّبُ"هو التوحيد الصادر عن عقيدة طيّبة.
وقيل: هو التحميد والتمجيد ، وذكر الله ونحوه.
وأنشدوا:
لا ترض من رجل حلاوةَ قوله ...
حتى يُزَيِّن ما يقول فَعَالُ