ومن ثمّ لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها، مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ولا ينتظر ما وراءها. لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة، ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة؛ ولا يتّفقان في حكم واحد على حادث أو حالة أو شأن من الشئون. فلكل منهما ميزان، ولكل منهما زاوية للنظر، ولكل منهما ضوء يرى عليه الأشياء والأحداث والقيم والأحوال .. هذا يرى ظاهرا من الحياة الدنيا؛ وذلك يدرك ما وراء الظاهر من روابط وسنن، ونواميس شاملة للظاهر والباطن، والغيب والشهادة، والدنيا والآخرة، والموت والحياة، والماضي والحاضر والمستقبل، وعالم الناس والعالم الأكبر الذي يشمل الأحياء وغير الأحياء .. وهذا هو الأفق البعيد الواسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه؛ ويرفعها فيه إلى المكان
الكريم اللائق بالإنسان. الخليفة في الأرض. المستخلف بحكم ما في كيانه من روح الله). أي روح خلقها الله ونسبها لذاته تشريفا.
كلمة في السياق: [في صلة المجموعة الأولى من المقدمة بالمجموعة الثانية منها وبالسورة]
(هذه الآيات مدخل إلى السورة. فمن خلال رؤية صدق الله عزّ وجل في تحقق موعوده الذي ذكرته هذه الآيات وهو انتصار الروم على الفرس. يذكّر الله عزّ وجل الخلق بأن وعده كله لا بد أن يتحقق، ومن ذلك وعده بقيام الساعة. فذكر الله عزّ وجل موضوع الروم - وهو معجزة - مدخل للكلام عن وعده الكبير بإقامة اليوم الآخر، ومدخل للكلام عن اليوم الآخر. ومن ثمّ نلاحظ أن السياق يبدأ بعد ذلك بإثارة تفكير الإنسان للوصول إلى الإيقان بالآخرة كما سنرى في قوله تعالى:
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ... وقبل أن ننتقل إلى المجموعة الثانية من مقدمة السورة فلنذكر بعض الفوائد المتعلّقة بما مرّ.
فوائد:
1 - [من الروايات التي ذكرها ابن كثير حول موضوع إنزال الآيات الأولى من سورة الروم]