واقرأ قوله تعالى: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا ...} [التوبة: 40] ولم يقل: وجعل كلمة الله هي العليا ؛ لأنها ليستْ جَعْلاً لأن الجَعْل تحويل شيء إلى شيء ، أما كلمة الله فهي العليا بداية ودائماً ، وإنْ علت كلمة الباطل إلى حين .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله ...} .
الوعد: هو الإخبار بما يسرُّ قبل أنْ يكون {لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ ...} [الروم: 6] وفرْقٌ بين وعد الله ووعد الناس ؛ لأنك قد تعد إنساناً بخير ، وتحول الأسباب بينك وبين إنفاذ ما وعدتَ به ، كأن يتغير رأيك أو تضعف إمكاناتك ، أو يتغير السبب الذي كنت ستفعل من أجله .
إذن: أنت لا تملك عناصر الوفاء وأسبابه ، أمّا وعد الحق سبحانه وتعالى فوعد محقق ، حيث لا توجد قوة تُخرجه عما وعد ، وهو سبحانه لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، فما دام الوعد وعدَ الله فثِقْ أنه محقق .
لذلك يُعلِّمنا الحق سبحانه: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ...} [الكهف: 23 - 24] والمعنى: اجعل لنفسك مَخرجَاً من الكذب إنْ حالت الأسباب بينك وبين ما وعدتَ به ، بأن تجعل أمرك تحت مشيئة ربك ، لا مشيئتك ، لأنك لا تملك من عناصر إتمام الفعل شيئاً .
إذن: أدرِكْ نفسك ، وقُلْ إنْ شاء الله ، حتى إذا حالتْ الأسباب بينك وبين ما أردتَ قلت: شِئْت ، ولكن الله تعالى لم يشَأ .
والله تعالى لا يُخِلف وعده ؛ لأنه سبحانه يعلم الأشياء على وَفْق ما تكون ، ولا توجد قوة تُحوِّله عن مراده ، وليس له شريك يراجعه ، أو يُخرِجه عن مراده .
وإنْ شئت فاقرأ: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وامرأته حَمَّالَةَ الحطب * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} [المسد: 1 - 5] .