وأما إنزال الآية فإلى رحمة الله إذا شاء تخليص القوم من تصديق المتنبئ وتكذيب النبي. ثم قال {أولم يكفهم} الآية. والمعنى هبوا أن إنزال الآية شرط أليس القرآن المتلو الذي أخرس شقاشق فصائحهم كافياً في بيان الإعجاز؟ {إن في ذلك} المتلو على وجه الأرضين {لرحمة} من الله على الخلق وإلا اشتبه عليهم النبي بالمتنبئ {وذكرى} ليتعظ بها الناس ما بقي الزمان. وإنما كانت هذه الرحمة من الله على الخلق والتذكرة مختصة بالمؤمنين ، لأن المعجزة للكافرين سبب لمزيد الإنكار المستلزم لإلزام الحجة والخلود في النار ، ثم ختم الدلائل بأن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بكلام منصف وهو قوله {كفى بالله بيني وبينكم شهيداً} وقال في آخر سورة الرعد {قل كفى بالله شيهداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} [الآية: 43] لأن الكلام هناك مع المشركين فاستشهد عليهم بأهل الكتاب أيضاً وأما هنا فالكلام مع أهل الكتاب فاقتصر على شهادة الله ، ثم بين كون شهادة الله كافية بقوله {يعلم ما في السماوات والأرض} ثم هددهم بقوله {والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله} وهما متلازمان لأن الإيمان بما سوى الله وهو الباطل الهالك الزائل الزاهق كفر بالله وجحود بحقه. {أولئك هم الخاسرون} لا يستحق لهذا الاسم في الحقيقة غيرهم إذ لا غبن افحش من اشتراء الباطل بالحق والكفر بالإيمان وإضاعة العمر في ما عبادة مالا ينفعهم بل يضرهم قيل: إن ناساً من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتف قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود ، فلما نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوم ان يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم فنزلت {أولم يكفهم} الآية. ويروى أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسو الله؟ فنزلت {قل كفى} الآية. فعلى هذا فالآية نازلة في المشركين ، وعلى ا مر فهل يتناول أهل الكتاب؟ قالوا: نعم ، لأنه صح عندهم