ووجه تخصيص سورة العنكبوت بهذه الآية مناسبتها لما تردد فيها وتكرر من ذكر العودة الأخراوية أو الإشارة إليها في ما نيف على عشرى مواضع ، أولها: قوله: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (العنكبوت: 5) ، وآخرها ما ورد قبل الآية المتكلم فيها من قوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (العنكبوت: 57) وما اتصل بها ، وأنصّها في المقصود قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (العنكبوت: 19) إلى قوله: (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) (العنكبوت: 20) ، فناسب ما تردد في هذه السورة من هذه الآي إيراد آية المثال المذكورة ، ولما لم يرد في السورتين الأخريين مثل الوارد المتكرر في سورة العنكبوت لم يكن ليناسبها ورود آية المثال مناسبتها حيث وردت.
والجواب عن السؤال الثاني ، وهو توجيه اختلاف الحال فيما وقع فيه التعقيب في هذه الآي ، أن ذلك مبنى على الترتيب الثابت في الكتاب العزيز (لما) ذكر تعالى حالهم لو سئلوا عن خلق السماوات والأرض وتسخير النيرين ، ولا إشكال فيه لمن وفق ، قال تعالى: (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (العنكبوت: 61) أي كيف يصرفون عن الدلالة مع وضوحها ، ثم قال عقب آية لقمان: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (لقمان: 25) ، وحصل مما أعقبت به الآيتان ما في قوة أن لو قيل: كيف يصرفون مع بيان الأمر ما ذلك إلا لمنعهم عن العلم: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ) (الكهف: 57) .
وأما ختام آية الزخرف بقوله: (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (الزخرف: 9)