وهذا الرجل الذي بعثه صلى الله عليه وسلم بالكتاب هو عبد الله بن حذافة، الرجل الدعوب المرح، القرشي المهاجري الكبير، الإمام الأمير، ولاه صلى الله عليه وسلم على بعض السرايا، وكان فيه دعابة لما ودع الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله! مرهم أن يطيعوني، فقال صلى الله عليه وسلم: أطيعوه ولا تعصوه، فأخذها فرصة رضي الله عنه، فقال لهم: اجمعوا حطباً، فجمعوه، قال: أشعلوا الحطب، فأشعلوه، قال: ادخلوا في النار! هكذا قال، فتهيبوا، قال: أما قال لكم الرسول صلى الله عليه وسلم: أطيعوني، وهو صلى الله عليه وسلم يريد الطاعة بالمعروف، لا على إطلاقها، قال: فَهَمَّ بعضهم أن يلقي بنفسه في النار، وأحجم بعضهم، فتم أمرهم بالإجماع الأخير أن يعرضوا الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن أمرهم بذلك اقتحموا النار، فلما وصلوا المدينة، قالوا: يا رسول الله! أمرنا عبد الله بن حذافة الذي أمرته، فجمعنا حطباً وأشعلنا ناراً وهممنا أن نقع في النار، ولكن قلنا: نعرض الأمر عليك فما عصيناه، فتبسم صلى الله عليه وسلم، وقال: {لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق} ثم قال: {لو دخلوها ما خرجوا منها} وذلك جزاء لهم لأنها معصية، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لا يريد من الإنسان أن يهلك نفسه، لكن كان عبد الله بن حذافة يمزح.
كان من مواقفه المشهودة أنه وقع أسيراً في الروم، وكان معه بعض الأسرى، فقال ملك الروم: أخرجوا لي أعقلهم وأذكاهم كي أكلمه فخرج عبد الله بن حذافة فقال له: يا عبد الله! أتريد أن أعطيك نصف ملكي وآبائي وأجدادي وتعود عن ملة محمد صلى الله عليه وسلم، قال: [[والله لو أعطيتني ملكك وملك آبائك وأجدادك على أن أعود عن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت] ] قال: خذوه وألقوه في قدر يغلي، فلما ذهبوا به ووجد بعض الأسارى قد تفسخت لحومهم عن عظامهم، وهي تغلي بهم، بكى رضي الله عنه.