أو: أن الجدل مأخوذ من الجدال وهي الأرض ، كأن يطرح القوي الضعيف أرضاً في صراع مثلاً .
والجدال يكون بين شخصين ، لكل منهما رأيه الذي يألفه ويحبه ويقتنع به ، فحين تجادله تريد أنْ تُخرِجه عن رأيه الذي يألف إلى رأيك الذي لا يألفه ولم يعتده ، فأنت تجمع عليه أمرين: أنْ تُخرجه عما أَلف واعتاد إلى ما لم يألف ، فلا يكُنْ ذلك بأسلوب يكرهه حتى لا تجمع عليه شدتين .
فعليك إذن باللين والاستمالة برفق ؛ لأن النصح ثقيل كما قال شوقي رحمه الله: فلا تجعله جبلاً ، ولا ترسله جَدَلاً ، وعادة ما يُظهِر الناصح أنه أفضل من المنصوح . ويقولون: الحقائق مرة ، فاستعيروا لها خِفَّة البيان ؛ لأنك تُخِرج خَصْمك عما أَلِف ، فلا تخرجه عما ألف بما يكره ، بل بما يحب .
والإنسان قج يُعبِّر عن الحقيقة الواحدة تعبيراً يُكره ، ويُعبِّر عنها تعبيراً يُحب وترتاح إليه ، كالملك الذي رأى في منامه أن كل أسنانه قد سقطتْ ، فطلب مَنْ يُعبِّر له ما رأى ، فجاءه المعبِّر واستمع منه ، ثم قال: معنى هذه الرؤيا يا مولاي أن أهلك جميعاً سيموتون ، فتشاءم من هذا التعبير ولم يُعجبه ، فأرسلوا إلى آخر فقال: هذا يعني أنك ستكون أطولَ أهل بيتك عُمراً ، فَسُرَّ الملك بقوله .
فهنا المعنى واحد ، لكن أسلوب العرض مختلف .
ودخل رجل على آخر ، فوجده يبكي فقال: ما يُبكيك؟ قال: أخذْتُ ظلماً ، فتعجب وقال: فكيف بك إذا أُخِذْتَ عدلاً؟ أكنت تضحك . والمعنى أن مَنْ أُخذ ظلماً لا ينبغي له أن يحزن ؛ لأنه لم يفعل شيئاً يشينه ، والأَوْلَى بالبكاء من أُخذ عدلاً وبحقٍّ .
ورجل قُتِل له عزيز فجلس يصرح ويولول ، فدخل عليه صاحبه مُواسياً فقال له الرجل: إن ابني قُتِل ظلماً ، فقال صاحبه: الحمد لله الذي جعل منك المقتول ، ولم يجعل منك القاتل .