{بل} إبطال لما اقتضاه الفرض من قوله: {إذن لارتاب المبطلون} [العنكبوت: 48] ، أي بل القرآن لا ريب يتطرقه في أنه من عند الله ، فهو كله آيات دالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه من عند الله لما اشتمل عليه من الإعجاز في لفظه ومعناه ولما أيَّد ذلك الإعجازَ من كون الآتي به أميّاً لم يكن يتلو من قبله كتاباً ولا يخطّ ، أي بل القرآن آيات ليست مما كان يتلى قبل نزوله بل هو آيات في صدر النبي صلى الله عليه وسلم
فالمراد من: {صدور الذين أوتوا العلم} صدر للنبيء صلى الله عليه وسلم عبّر عنه بالجمع تعظيماً له.
و {العلم} الذي أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم هو النبوءة كقوله تعالى: {ولقد آتينا داوود وسليمان علماً} [النمل: 15] .
ومعنى الآية أن كونه في صدر النبي صلى الله عليه وسلم هو شأن كل ما ينزل من القرآن حين نزوله ، فإذا أنزل فإنه يجوز أن يخطُّه الكاتبون ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ كُتَّاباً للوحي فكانوا ربما كتبوا الآية في حين نزولها كما دل عليه حديث زيد بن ثابت في قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} [النساء: 95] وكذلك يكون بعد نزوله متلوّاً ، فالمنفي هو أن يكون متلواً قبل نزوله.
هذا الذي يقتضيه سياق الإضراب عن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يتلو كتاباً قبل هذا القرآن بحيث يظن أن ما جاء به من القرآن مما كان يتلوه من قبل فلما انتفى ذلك ناسب أن يكشف عن حال تلقي القرآن ، فذلك هو موقع قوله: {في صدور الذين أوتوا العلم} كما قال: {نزل به الروح الأمين على قلبك} [الشعراء: 193 ، 194] وقال: {كذلك لنُثَبِّت به فؤادك} [الفرقان: 32] .
وأما الإخبار بأنه آيات بيّنات فذلك تمهيد للغرض وإكمال لمقتضاه ، ولهذا فالوجه أن يكون الجار والمجرور في قوله: {في صدور الذين أوتوا العلم} خبراً ثانياً عن الضمير.