{وَأَقِمِ} يا محمد أنت وأمتك {الصَّلَاةَ} ؛ أي: داوم على إقامتها وأدائها على الوجه القيم، مريدًا بذلك وجه الله تعالى، والإنابة إليه مع الخشوع والخضوع له، والمراد بالصلاة هنا الصلوات المفروضة، ولما كان أمره - صلى الله عليه وسلم - بإقامتها متضمنًا لأمر الأمة بها، علل ذلك بقوله: {إِنَّ الصَّلَاةَ} المعروفة، وهي المقرونة بشرائطها الظاهرة والباطنة، المستوفية لأركانها وآدابها {تَنْهَى} الناس وتمنعهم؛ أي: من شأنها وخاصيتها أن تنهاهم وتمنعهم {عَنِ الْفَحْشَاءِ} ؛ أي: عن الفعلة القبيحة كالزنا والسرقة مثلًا {وَالْمُنْكَرِ} ؛ أي: وعن كل ما أنكره الشرع والعقل، من الذنوب والمعاصي، ففيه عطف العام على الخاص، فكأنها تقول له كيف تعصي ربًا هو أهل لما أتيت به، وكيف يليق بك أن تفعل ذلك وتعصيه، وأنت وقد أتيت بما أتيت به من أقوال وأفعال، تدل على عظمة المعبود وكبريائه، وإخباتك له وإنابتك إليه، وخضوعك لجبروته وقهره، إذا عصيته وفعلت الفحشاء والمنكر تكون كالمناقض نفسه بين قوله وفعله.
أي: تكون الصلاة سببًا للانتهاء عن المعاصي كبائرها وصغائرها، حال الاشتغال بها وغيرها، من حيث إنها تذكر الله وتورث للنفس خشية منه، قيل: من كان مراعيًا للصلاة جره ذلك إلى أن ينتهي عن السيئات يومًا، فقد رُوي أنه قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن فلانًا يصلي بالنهار وشرق بالليل، فقال:"إن صلاته لتردعه".
وروي أن فتى من الأنصار، كان يصلي معه - صلى الله عليه وسلم - الصلوات، ولا يدع شيئًا من الفواحش إلا ركبه فوصف له، فقال:"إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب". وعن الحسن: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته بصلاة، وهي وبال عليه.
فَإِنْ قُلْتَ: لم أمر بهذين الشيئين، تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة فقط؟
قلت: لأن العبادة المختصة بالعبد ثلاثة؟
قلبية: وهي الاعتقاد الحق.
ولسانية: وهي الذكر الحسن.
وبدنية: وهي العمل الصالح. لكن الاعتقاد لا يتكرر، فإن من اعتقد شيئًا لا يمكنه أن يعتقده مرة أخرى، بل ذلك يدوم مستمرًا فبقي الذكر والعبادة البدنية، وهما ممكنا التكرار، فلذلك أمر بهما.