ولما فرغ من إرشادهم إلى الدين الحق .. حذرهم من تركه وهددهم بما حل بمن قبلهم من المكذبين للرسل، فقال: {وَإِنْ تُكَذِّبُوا} إلخ؛ أي: وإن تصدقوني فقد فزتم بسعادة الدارين، وإن تكذبوني فيما أخبرتكم به فلا تضروني بتكذيبكم، فقد كذب أمم من قبلكم رسلهم، كقوم إدريس ونوح، فجرى الأمر على ما سنه الله تعالى في الخلق، من نجاة المصدقين للرسل وهلاك العاصين لهم. {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} ؛ أي: وما ضر ذلك الرسل شيئًا، بل هم قد ضروا أنفسهم، فما على الرسول إلا التبليغ الذي لا يبقى معه شك، وهو المقترن بآيات الله ومعجزاته، وما عليه أن يصدقه قومه، وقد خرجت من عهدة التبليغ، ولا عليَّ بعد ذلك أصدقتم أم كذبتم.
19 -ولما بين الله سبحانه وتعالى الأصل الأول وهو التوحيد، وأشار إلى الثاني وهو الرسالة، بقوله: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} شرع في بيان الأصل الثالث وهو الحشر، وهذه الأصول الثلاثة لا ينفك بعضها عن بعض في الذكر الإلهي، فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا} والهمزة فيه للاستفهام الإنكاري؛ أي: لإنكار عدم رؤيتهم، الموجب لتقريرها داخلة على محذوف، والواو عاطفة على كذلك المحذوف، والتقدير: ألم ينظروا؛ أي: أهل مكة وكفار قريش، ولم يروا؛ أي: ولم يعلموا علمًا، جاريًا مجرى الرؤية في الجلاء والظهور {كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ} أي: يخلقهم ولم يكونوا شيئًا مذكورًا، ويخلقهم من نطفة من غذاء، هو ماء وتراب، وهذا القدر كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة، فإن الإعادة مثل البدء؛ أي: ألم يعلموا كيفية خلق الله ابتداء من مادة ومن غير مادة؛ أي: قد علموا.
{ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي: ثم هو يعيد الخلق، ويردهم إلى الوجود في الآخرة عند البعث، وهو معطوف على قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا} لا على يبدأ، لعدم وقوع الرؤية عنيه، فهو إخبار بأنه تعالى يعيد الخلق، قياسًا على الإبداء.
فَإِنْ قُلْتَ: أوليس هذا من عطف الخبر على الإنشاء؟
أجيب: بأن الاستفهام فيه لما كان للإنكار، وتقرير الرؤية، كان إخبارًا من حيث المعنى؛ أي: قد رأوا ذلك وعلموه. اهـ"زاده".