انزل الله تعالى فيهم هذه الآية - وقوع الاستفهام بعد الم دليل على استقلاله والمراد بالحسبان الظنّ وهو متعلق بمضمون جملة للدلالة على جهة ثبوتها ولذلك يقتضى مفعولين أو ما يسدّ مسدهما كقوله ان يتركوا والاستفهام للانكار والتوبيخ وان يّقولوا تقديره لأن يقولوا وهم لا يفتنون حال من فاعل يقولوا والمعنى أظنوا أتركهم غير مفتونين لقولهم آمنّا فالترك اوّل مفعوليه وغير مفتونين من تمامه ولقولهم هو الثاني كقولك حسبت ضربه للتأديب أو المعنى احسبوا أنفسهم متروكين غير مفتونين لقولهم أمنا يعني لا يحسبوا ذلك بل يمتحتهم الله بالمشاق كالمهاجرة والمجاهدة وانواع المصائب في الأنفس والأموال والأولاد ليتميز المخلص من المنافق والثابت في الدين من المضطر فيه ولينالوا بالصبر عليها عوالى الدرجات. وذكر البغوي ان الله تعالى أمرهم في لابتداء بمجرد الإيمان ثم فرض عليهم الصلاة والزكوة وسائر الشرائع فشق على بعضهم فأنزل الله هذه الآية فالمعنى احسبوا ان يتركوا على مجرد الإيمان وهم لا يفتنون بالأوامر والنواهي فإن مجرد الإيمان وإن كان مانعا عن الخلود في العذاب لكن نيل الدرجات يترتب على وظائف الطاعات ورفض الشهوات.
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأنبياء والمؤمنين فمنهم من نشر بالمناشير ومنهم من قتل وابتلى بنوا إسرائيل بفرعون يسومهم سوء العذاب الجملة متصل بقوله احسب أو بقوله لا يفتنون يعني ذلك سنة قديمة جارية في الأمم كلها فلا ينبغى ان يتوقع خلافه أو معترضة لتسلية المؤمنين فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا في قولهم أمنا معطوف على قوله ولقد فتنّا وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ الله عالم ازلا ومعنى الآية ليتعلقن علمه حاليا يتميز به الذين صدقوا في الإيمان من الذين كذبوا فيه وينوط به ثوابهم وعقابهم وقيل معناه ليظهرن الله الصادقين من الكاذبين حتى يوجد معلومه وقال مقاتل ليرين الله وقيل لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ.