ومن أوضح الأمثلة على أن الرزق مقسوم مقدَّر من الله لكل منا أن المرأة حين تحمل يمتنع عنها الحيض الذي كان يأتيها بشكل دوريٍّ قبل الحمل ، فأين ذهب هذا الدم؟ هذا الدم هو رزق الجنين في بطن أمه لا يأخذه ولا يستفيد به غيره حتى الأم .
فإنْ قُدِّر الجنين تحول هذا الدم إلى غذاء له خاصة ، فإنْ لم يُقدَّر للأم أنْ تحمل نزل منها هذا الدم على صورة كريهة ، لا بُدّ من التخلص منه ؛ لأنه ضار بالأم إنْ بقي لا بُدَّ من نزوله ، لأنه ليس رزقها هي ، بل رزق ولدها في أحشائها ، ولو لم يكُنْ هذا الدم رِزْقاً للجنين لكانت الأم تضعف كلما تكرَّرت لها عملية نزول الدم بهذه الصورة الدورية . إذن: لكل منا رِزْق لا يأخذه غيره .
لذلك يقول أحد الصالحين: عجبتُ لابن آدم يسعى فيما ضُمِن له ويترك ما طُلِب منه .
فربك قد ضمن لك رزقك فانظر إلى ما طُلِب منك ، واشغل نفسك بمراد الله فيك ؛ لذلك نتعجب من هؤلاء المتسولين الذين كنا نراهم مثلاً في مواسم الحج ، وشرُّهم مَنْ يعرضون عاهاتهم وعاهات أبنائهم على الناس يتسولون بها ، وكأنهم يشتكون الخالق للخَلْق ، ويتبرَّمون بقضاء الله ، والله تعالى لا يحب أن يشكوه عبده لخلقه .
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا بليتم فاستتروا"
ووالله لو ستر أصحاب البلاء بلاءهم ، وقعدوا في بيوتهم لَساقَ الله إليهم أرزاقهم إلى أبوابهم .
إذن: الرزق مضمون من الله ؛ لذلك يمتنُّ به على عباده وينفيه عن هذه الآلهة الباطلة {لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فابتغوا عِندَ الله الرزق ...} [العنكبوت: 17] ثم يقول سبحانه: {واعبدوه واشكروا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 17] فإنْ لم تعبدوه لأنه يرزقكم ويطعمكم ، فاعبدوه لأن مرجعكم إليه ووقوفكم بين يديه .