وبأيِّ عقل أو منطق أنْ تذهب إلى الجبل وتستحسن منه حجراً فتنحته على صورة معينة ، ثم تتخذه إلهاً تعبده من دون الله ، وهو صَنْعة يدك ، وإنْ أطاحتْ به الريح أقمتَه ، وإنْ كسرته رُحْت تُصلح ما تكسَّر منه وتُرمِّمه ، فأيُّ عقل يمكن أن يقبل هذا العمل؟
لذلك يخاطبهم القرآن: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} [الصافات: 95] وكلما تقدَّم العالم تلاشتْ منه هذه الظاهرة ؛ لأنها مسألة لم تَعُدْ تناسب العقل بأية حال .
ومعنى {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ...} [العنكبوت: 17] أي: توجدون ، والإيجاد يكون من عدم ، فهم يًُوجدون من عدم ، لكن أيُوجدون صِدْقاً؟ أم يُوجدون كذباً؟ إنهم يُوجدون {إِفْكاً ...} [العنكبوت: 17] والإِفك تعمُّد الكذب الذي يقلب الحقائق ، ومن ذلك قوله سبحانه: {والمؤتفكة أهوى} [النجم: 53] أي: القرى التي كفأها الله على نفسها .
وسبق أن أوضحنا أن الحقيقة هي القضية الصادقة التي توافق الواقع ، فلو قُلْت مثلاً: محمد كريم ، فلا بُدَّ أن هناك شخصاً اسمه محمد وله صفة الكرم ، فإنِ اختلف الواقع فلم يوجد محمد أو وُجِد ولم تتوفر له صفة الكرم ، فالقضية كاذبة لأنها مخالفة للواقع ، هذا هو الإفك .
فالحق سبحانه لا يعيب عليهم الخَلْق ؛ لأنه أثبت للعباد خَلْقاً ، فقال سبحانه: {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنون: 14] .
والفَرْق أنك تخلق من موجود ، أما الحق سبحانه فيخلق من العدم ، فأنت تُوجِد الثوب من القطن مثلاً ، وكوبَ الزجاج من الرمل ، والمحراث من الحديد . . إلخ فأوجدت معدوماً عن موجود سابق ، أما الخالق سبحانه فأوجد معدوماً عن لا موجود .