وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: الحزن في الدُّنيا تلقيح العمل الصَّالح.
وقال أبو معاوية الأسود رحمه الله تعالى: إن لكل شيء نتاجاً، ونتاج العمل الصَّالح الحزن.
وقال الحسن: والله إن أصبح مؤمن إلا حزيناً، وكيف لا يحزن المؤمن وقد جاء عن الله - عز وجل - أنه وارد جهنم، ولم يأته أنه صادر عنها.
وقال مكحول رحمه الله تعالى: أوحى الله إلى موسى عليه السَّلام: اغسل قلبك، قال: يا رب! بأي شيء أغسله؟ قال: بالهم والحزن.
وقال صالح أبو شعيب رحمه الله تعالى: أوحى الله تعالى إلى
عيسى بن مريم عليهما السَّلام: اكْحُلْ عينك بمأمول الحزن إذا ضحك البطَّالون.
روى هذه الآثار ابن أبي الدُّنيا.
وأما استعاذة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الهم والحزن في الأخبار الصحيحة: فالمراد بهما الهم والحزن الشاغلان عن الله تعالى، وعن العمل الصالح.
أي: الهم بالدنيا والحزن على فواتها، كما قال تعالى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [سورة الحديد: 23] .
أو الحزن على ما لم يجر به القضاء مما يريده العبد، كما قال تعالى: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [سورة النحل: 127] .
* تَنْبِيْهٌ:
الحزن تارة يوجب البكاء، وتارة يوجب الكَمَد، فتحسر الدمعة، والأول أروح للقلب، ومن ثَمَّ اختار بعض العارفين تفضيل الثاني.
وأفضل الحزن ما كان داعياً إلى العمل الصالح.
قيل للحسن: إن عندنا قوماً يبكون ليسوا بذاك، ونرى قوماً أفضل منهم لا يبكون؟
قال الحسن: أولئك تبكي قلوبهم.
وقيل لعبد الله بن شميط رحمه الله تعالى: كان أبوك يبكي؟ قال: كان عمله يبكي.
وقال معاوية بن قُرَّة رحمه الله تعالى: بكاء العمل أحب إلي من بكاء العين. رواهما ابن أبي الدنيا.
وأياً ما كان الحزن مع بكاء أو كمد، فإنه من الأعمال الصالحة المكفرة للذنوب.
قال أبو هريرة - رضي الله عنه: إن العبد ليذنب الذنب، فإذا رآه الله قد أحزنه ذلك، غفر له من غير أن يحدث صلاة ولا صدقة. رواه ابن أبي الدنيا، وغيره.