ثم ردّ الله ذلك عليهم ردًّا مصدّراً باستفهام التوبيخ والتقريع فقال: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً} أي ألم نجعل لهم حرماً ذا أمن؟ قال أبو البقاء: عدّاه بنفسه ؛ لأنه بمعنى جعل كما صرّح بذلك في قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً} [العنكبوت: 67] ، ثم وصف هذا الحرم بقوله: {يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَيْء} أي تجمع إليه الثمرات على اختلاف أنواعها من الأراضي المختلفة وتحمل إليه.
قرأ الجمهور: {يجبى} بالتحتية اعتباراً بتذكير كل شيء ووجود الحائل بين الفعل وبين ثمرات ، وأيضاً ليس تأنيث ثمرات بحقيقيّ ، واختار قراءة الجمهور أبو عبيد لما ذكرنا ، وقرأ نافع بالفوقية اعتباراً بثمرات.
وقرأ الجمهور أيضاً: {ثمرات} بفتحتين ، وقرأ {أبان} بضمتين ، جمع ثمر بضمتين ، وقرئ بفتح الثاء وسكون الميم {رّزْقاً مّن لَّدُنَّا} منتصب على المصدرية ؛ لأن معنى {يجبى} : نرزقهم ، ويجوز أن ينتصب على أنه مفعول له لفعل محذوف ، أي نسوقه إليهم رزقاً من لدنا ، ويجوز أن ينتصب على الحال ، أي رازقين {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} لفرط جهلهم ومزيد غفلتهم وعدم تفكرهم في أمر معادهم ورشادهم ؛ لكونهم ممن طبع الله على قلبه ، وجعل على بصره غشاوة.
وقد أخرج الفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أبي هريرة في قوله: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا} قال: نودوا: يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني ، واستجبت لكم قبل أن تدعوني.
وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعاً.
وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عنه من وجه آخر بنحوه.