من خلال دراسة قصة موسى في سورة القصص، نلاحظ أن القرآن يقص علينا أدق التفاصيل عن بعض الأمور بما تكتمل به تصوراتنا في شأن النبوة ونفهم به معنى الرسالات، ونعرف به سنن الله عزّ وجل، ونجد أن كل شيء في هذا المقام يصب في المصب نفسه الذي تصب به كل آيات القرآن، فإن تجد مثل هذا التكامل، وأن تجد مثل هذا الجلال الذي تعرف به كمال الرسل عليهم الصلاة والسلام، دون إخلال، فذلك علامة من علامات كون هذا القرآن من عند الله، بينما لا تجد مثل هذا في الكتب السابقة التي داخلها التحريف والتبديل، ومن ثم تجد كثيرا من التفصيلات في القرآن مما يساعد على استكمال التصورات الصحيحة مما لا تجده في الكتب السابقة، إما بسبب من كمال القرآن، أو بسبب من عدم وصول هذه الكتب إلينا على الكمال والتمام، ولنعد إلى السياق فإن الله عزّ وجل يكمل الكلام عن الحكمة في إرسال محمد صلى الله عليه وسلم والحجة فيها، وهو مراد رئيسي في السورة.
وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ أي عقوبة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والظلم، وقد استعملت كلمة الأيدي في هذا المقام بسبب أن أكثر الأعمال تزاول بالأيدي، فنسبت كل الأعمال إليها وإن كانت من أعمال القلب تغليبا للأكثر على الأقل فَيَقُولُوا عند العذاب رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا أي وأرسلته إلينا لتقيم علينا
الحجة، فمن أجل ذلك أرسلنا؛ لينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم، فلا يحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير، ويدعوا أن لو كان رسول لاتبعوه فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هذا تتمة كلامهم أي لو أنهم عوقبوا ولم يرسل الله إليهم لادعوا أنهم لو جاءهم رسول لكانوا يتبعون آيات الله ويؤمنون إذن