فدعا سليمان أمير الطير ، فسأله عن الهدهد ، فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو؟ وما أرسلته مكاناً ، فغضب سليمان عند ذلك وقال: {لأعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} يعني: لأنتفن ريشه فلا يطير مع الطيور حولاً ولأشمسنه في الحر حتى يأكله الذر {أَوْ لاَذْبَحَنَّهُ} يعني: لأقتلنه حتى لا يكون له نسل {أَوْ لَيَأْتِيَنّى بسلطان} يعني: بحجة بينة واضحة أعذره بها {مُّبِينٌ} بيّن ، فإن قيل كيف يجوز أن يعاقب من لا يجري عليه القلم؟ قيل له: تجوز العقوبة على وجه التأديب إذا كان منه ذنب ، كما يجوز للأب أن يؤدب ولده الصغير ، وأما الذبح ، فيجوز ، وإن لم يكن منه ذنب.
قرأ ابن كثير {ليأتينني} بنونين.
وقرأ الباقون بنون واحدة ، فمن قرأ بنونين فهو للتأكيد ، لأن النون الأولى مشددة ، وتسمى تلك نون القسم ، وهي في الحقيقة نونين ، والنون الثانية للإضافة.
ومن قرأ بنون واحدة ، فقد استقل الجمع بين النونات ، واقتصر على نونين ، فأدغم إحداهما في الأخرى.
قوله عز وجل: {مُّبِينٍ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} قرأ عاصم بنصب الكاف.
وقرأ الباقون بالضم وهما لغتان: ومعناهما واحد.
يعني: لم يلبث إلا قليلاً.
ويقال: لم يظل الوقت حتى جاء الهدهد {فَقَالَ أَحَطتُ} وفي الآية مضمر ، ومعناه فمكث غير بعيد أن جاءه الهدهد.
فقال له سليمان: أين كنت؟ فخرّ له ساجداً وقال: أحطت {بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} يعني: علمت ما لم تعلم ، وجئتك بخبر لم تكن تعلمه ، ولم يخبرك عنه أحد ثم أخبره فقال: {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} فإن قيل: كيف يجوز أن يقال إن سليمان لم يعلم به ، وكانت أرض سبأ قريبة منه ، وهناك ملك لم يعلم به سليمان؟ قيل له: علم به سليمان ، ولكنه لم يعلم أنهم يسجدون للشمس.