وغالباً أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر
كما قدمناه موضحاً في سورة النحل ، في الكلام على قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ} [النحل: 30] الآية.
والمعروف في علم العربية أن صيغة التفضيل تقتضي المشاركة بين المفضل والمفضل عليه فيما فيه التفضيل ، إلا أن المفضل أكثر فيه وأفضل من المفضل عليه ، ومعلوم أن المفضل عليه في الآيات المذكورة الذي هو عذاب النار لا خير فيه البتة ، وإذن فصيغة التفضيل فيها إشكال.
والجواب عن هذا الإشكال من وجهين:
الأول: أن صيغة التفضيل قد تطلق في القرآن ، وفي اللغة مراداً بها مطلق الاتصاف ، لا تفضيل شيء على شيء. وقدمناه مراراً وأكثرنا من شواهده العربية في سورة النور وغيرها.
الثاني: أن من أساليب اللغة العربية أنهم إذا أرادوا تخصيص شيء بالفضيلة ، دون غيره جاءوا بصيغة التفضيل ، يريدون بها خصوص ذلك الشيء بالفضل ، كقول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
أتهجوه ولست له بكفء... فَشَرُّكُما لخيركما الفداء
وكقول العرب: الشقاء أحب إليك ، أم السعادة؟ وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ} [يوسف: 33] الآية.
قال أبو حيان في البحر المحيط في قوله تعالى: الآية ، وخير هنا ليست تدل على الأفضلية ، بل هي على ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء ، وخصوصيته بالفضل دون مقابله كقوله:
فَشَرُّكُمَا لِخيْرِكُمَا الفِداءُ... وكقول العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة ، وكقوله: {قَالَ رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ} [يوسف: 33] وهذا الاستفهام على سبيل التوفيق والتوبيخ. اه الغرض من كلام أبي حيان.
وعلى كل حال فعذاب النار شر محض لا يخالطه خير ألبتة كما لا يخفى ، والوجهان المذكوران في الجواب متقاربان.