لقائل أن يقول أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لا بد وأن يريدوها ، فإذا سألوها ربهم ، فإن أعطاهم إياها لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة ، وإن لم يعطها قدح ذلك في قوله: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ} وأيضاً فالأب إذا كان ولده في درجات النيران وأشد العذاب إذا اشتهى أن يخلصه الله تعالى من ذلك العذاب فلا بد وأن يسأل ربه أن يخلصه منه ، فإن فعل الله تعالى ذلك قدح في أن عذاب الكافر مخلد ، وإن لم يفعل قدح ذلك في قوله: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ} وفي قوله: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ} وجوابه: أن الله تعالى يزيل ذلك الخاطر عن قلوب أهل الجنة بل يكون اشتغال كل واحد منهم بما فيه من اللذات شاغلاً عن الالتفات إلى حال غيره.
المسألة الثانية:
شرط نعيم الجنة أن يكون دائماً ، إذ لو انقطع لكان مشوباً بضرب من الغم ولذلك قال المتنبي:
أشد الغم عندي في سرور.. تيقن عنه صاحبه انتقالا
ولذلك اعتبر الخلود فيه فقال: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ خالدين} .
المسألة الثالثة:
قوله تعالى: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ} كالتنبيه على أن حصول المرادات بأسرها لا يكون إلا في الجنة فأما في غيرها فلا يحصل ذلك ، بل لا بد في الدنيا من أن تكون راحاتها مشوبة بالجراحات ، ولذلك قال عليه السلام:"من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق ، فقيل وما هو يا رسول الله ؟ فقال سرور يوم"
أما قوله: {كَانَ على رَبّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً} ففيه مسائل:
المسألة الأولى: