قوله تعالى: {وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين} .
الدعاء النداء والاستعانة، ولعل الثاني مجاز أو كناية مبنية على النداء لأن الشخص إنما ينادى ليستعان به، ومنه {أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ} [الأنعام: 0 4] والشهداء جمع شهيد أو شاهد، والشهيد كما قال الراغب: كل من يعتد بحضوره ممن له الحل والعقد، ولذا سموا غيره مخلفاً وجاء بمعنى الحاضر، والقائم بالشهادة والناصر والإمام أيضاً.
و {دُونِ} ظرف مكان لا ينصرف ويستعمل (بمن) كثيراً وبالباء قليلاً، وخصه فِي"البحر"بمن (دونها) ورفعه فِي قوله:
ألم تريا أني حميت حقيقتي ... وباشرت حد الموت والموت دونها
نادر لا يقاس عليه ومعناها أقرب مكان من الشيء فهو كعند إلا أنها تنبئ عن دنو كثير وانحطاط يسير، ومنه دونك اسم فعل لا تدوين الكتب خلافاً للبيضاوي كما قيل لأنه من الديوان الدفتر ومحله، وهي فارسي معرب من قول كسرى إذ رأى سرعة الكتاب فِي كتابتهم وحسابهم ديوانه.
وقد يقال لا بعد فيما ذكره البيضاوي وديوان مما اشتركت فيه اللغتان، وقد استعمل فِي انحطاط محسوس لا فِي ظرف كدون زيد فِي القامة ثم استعير للتفاوت فِي المراتب المعنوية تشبيهاً بالمراتب الحسية كدون عمرو شرفاً ولشيوع ذلك اتسع فِي هذا المستعار فاستعمل فِي كل تجاوز حد إلى حد ولو من دون تفاوت وانحطاط، وهو بهذا المعنى قريب من غير فكأنه أداة استثناء، ومن الشائع دون بمعنى خسيس فيخرج عن الظرفية ويعرف بأل ويقطع عن الإضافة كما فِي قوله:
إذا ما علا المرء راح العلا ... ويقنع (بالدون) من كان دونا
ومافي"القاموس"من أنه يقال رجل من دون، ولا يقال دون مخالف للدراية والرواية، وليس عندي وجه وجيه فِي توجيهه، والمشهور أنه ليس لهذا فعل، وقيل يقال: دان يدين منه واستعماله بمعنى فضلاً وعليه حمل قول أبي تمام:
الود للقربى ولكن عرفه ... للأبعد الأوطان دون الأقرب
لم يسلمه أرباب التنقير نعم قالوا: يكون بمعنى وراء كأمام وبمعنى فوق ونقيضاً له.