وليس الغم هاهنا الحزن، وإن كان أصله من ذلك لكنه تغطيتهم بالعذاب والأخذ بكظمهم، فلما تقدمه وصف ما أحاط بهم ذكر هذا الغم أي: كلما أرادوا من الكرب الذي أخذ بكظمهم أن يخرجوا من النار التي جلبت عليهم كل ذلك أقبلت الزبانية نحوهم بما يدق رءوسهم والآية التي في سورة السجدة لم تشتمل من إحاطة العذاب بهم من ذكر الثياب من النار وصب الحميم وإذابة الشحوم ما ذكر في هذه الآية قال: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} فلما لم يتقدم ذكر ما يطيف بهم ويغمهم ويصير كما يسد مخارج أنفاسهم لم يذكر أنهم يحاولون الخروج من أجل الغم الذي اقتضت الآية في الحج ذكره، ولم يقع مثله في سورة السجدة من مقتض، فلم يقع المقتضي لذلك.
الآية الثانية منها
قوله تعالى: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِهَا} وقال بعده بآيات: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} .
للسائل أن يسأل عن قوله في الأولى: {أَهْلَكْنَاهَا} وقوله في الثانية: {أَمْلَيْتُ لَهَا} وهل لكل واحد ما يوجب اختصاصه بمكانه دون الآخر؟
الجواب أن يقال: إن قوله: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} جاء بعد قوله: