ثم حكى ما أنعم به على سليمان فقال {ولسليمان} أي وسخرنا له {الريح} حال كونها {عاصفة} ولا ينافي هذا قوله في {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب} [ص: 36] لأن المراد أنها مع كونها في نفسها رخية طيبة كالنسيم كانت في عملها عاصفة تحمل كرسيه من اصطخر إلى الشام ، أو أنها كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفاً لهبوبها على حسب إرادته وأمره. وفي قوله {وكنا بكل شيء عالمين} إشارة أنه فعل كل ما فعل بالأنبياء المذكورين عن حكمة بالغة وتدبير محكم وإحاطة بأحوالهم وعلم باستئهالهم. قوله {ومن الشياطين} أي سخرنا من الشياطين {من يغوصون له} ويجوز أن يكون الكلام خبر أو مبتدأ و"من"موصولة أو موصوفة. كانوا يغوصون لأجله في البحار فيستخرجون الجواهر {ويعملون عملاً دون ذلك} أي متجاوزاً ما ذكر من بناء المدائن والقصور وسائر الصنائع العجيبة. قالت العلماء: الظاهر أن التسخير لكفارهم دون المؤمنين منهم لإطلاق الشياطين ولقوله: {وكنا لهم حافظين} أي من أن يزيغوا عن أمره أو يبدلوا أو يوجد منهم فساد في الجملة إذ كان من دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوا بالنهار. والحفظ إما بسبب الملائكة أو مؤمني الجن الموكلين بهم ، أو بأن حبب إليهم طاعته وخوفهم مخالفته. قال ابن عباس في تفسيره: يريد أن سلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء. قبل الجبائي: كيف تتهيأ منهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة وإنما تمكنهم الوسوسة فقط ، فلعل الله تعالى كثف أجسامهم خاصة وقواهم على تلك الأعمال الشاقة وزاد في عظمهم معجزة لسليمان فلما مات سليمان ردهم إلى الخلقة الأولى. إذ لو أبقاهم على الخلقة الثانية لكان شبهة على الناس ، فلعل بعض الناس يدعي النبوة ويجعله دلالة عليها.