والمعنى: مغاضبًا من أجل ربه، كما تقول: غضبت لك أي من أجلك، والمؤمن يغضب لله عز وجل إذا عصي، وبالغ القتبي في نصرة هذا القول: ولم يغضب على الله ولكن غضب لله إذ رفع العذاب عنهم.
الوجه الثالث: أنه خرج مغاضبًا لقومه أو للملك الذي كان وقتئذٍ.
وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى الله تعالى، وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضبًا لغير الله، والغالب أنه إنما يغاضب من يعصيه فيما يأمره به فيحتمل قومه أو الملك أو هما جميعًا، ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العذاب عليهم عندها، وكان غضبه على قومه لشدة شكيمتهم ولكفرهم وتمادي إصرارهم مع طول دعوته إياهم.
الوجه الرابع: شبهات والرد عليها.
الأول: وأما قوله تعالى: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} فقالوا: وذلك يقتضى كونه شاكًّا في قدرة الله تعالى.
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: أن هذا قول مردود باطل لا شك فيه.
فقالت فرقة: استزله إبليس ووقع في ظنه إمكان ألا يقدر الله عليه بمعاقبته. وهذا قول مردود مرغوب عنه؛ لأنه كفر. ومن ظن عجز الله تعالى فهو كافر.
قال ابن حزم: وأما قوله تعالى: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} فليس على ما ظنوه من الظن السخيف الذي لا يجوز أن يظن بضعيفة من النساء أو بضعيف من الرجال إلا أن يكون قد بلغ الغاية من الجهل فكيف بنبي مفضل على الناس في العلم ومن المحال المتيقن أن يكون نبي يظن أن الله تعالى الذي أرسله بدينه لا يقدر عليه وهو يرى أن آدميا مثله يقدر عليه، ولا شك في أن من نسب هذا للنبي الفاضل فإنه يشتد غضبه لو نسب ذلك إليه أو إلى ابنه فكيف إلى يونس - عليه السلام - الذي يقول فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى".
فقد بطل ظنهم بلا شك.
الوجه الثاني: نقدر عليه، أي: نضيق عليه.