والله سبحانه محيط بكل شيء، عليم بكل أحد، فهو مع كل أحد، مطلع على ما يعمل الخلق، بصير بالعباد، لا يخفى عليه شيء من أمرهم: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) } [المجادلة: 7] .
إن هذه حقيقة مؤنسة من جانب .. مذهلة مرهبة من جانب آخر.
مذهلة بروعة جلال الرب، مؤنسة بظلال القربى، وهي كفيلة حين يحسها
القلب البشري على حقيقتها أن ترفعه وتطهره، وتدعه مشغولاً بها عن كل أعراض الأرض وزينتها، كما تدعه في حذر دائم، وخشية دائمة، مع الحياء والتحرج من كل دنس، ومن كل جهالة، ومن كل غفلة: {إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) } [الأحزاب: 54] .
فمتى تؤوب هذه الأنفس الشاردة إلى ربها؟ .. ومتى تفر إليه؟ .. ومتى تستحي منه؟ .. ومتى توقره وتعظمه؟.
إنها تقف عارية في كل لحظة أمام بارئها، الذي يعلم ما بين أيديها وما خلفها، ويعلم سرها وجهرها، ويعلم ما يحيط بها من ماض وآت، مما لا تعلمه هي ولا تدريه.
فما أجدر الإنسان الذي يقف عرياناً بكل ما في سريرته أمام الملك الديان، ويتقلب في نعمه ليله ونهاره، ويبارزه بالمعاصي في أرضه بلا حياء ولا خوف، ما أجدره أن يتوب إلى ربه الذي خلقه وصوره، وأكرمه ونعمه، وما أحراه أن يستسلم لمن يعرف ظاهره وباطنه، وسره وعلانيته: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) } ... [الحديد: 16] .